عندما كنت في مدرسة كاثوليك الثانوية كان مستر سترايزلي مدير المدرسة بوجهه الأبيض المائل للحمرة ( كان ألمانياً الأصل) و شعره الأشقر و سالفيه المحلوقين حتي أذنيه، ككل طلبة كاثوليك هاي، يطل علينا من شاشة التليفزيون الداخلية للمدرسة التي كانت موجودة في كل غرفة درس ليتلي علينا كل صباح الآتي: تحية الولاء للعلم الأمريكي Pledge of Allegiance، و كان علي كل الطلبة الأمريكان الترديد وراءه، صلاة أبانا الذي في السماوات، و كان علي كل مسيحي الترديد وراءه أيضاً، ثم يبدأ بعد ذلك في إخبارنا بالأطعمة الموجودة في الكافيتيريا علي الغداء، و إذاعة أي أخبار أو فعاليات لهذا اليوم في المدرسة، ثم بالطبع ذكر أسماء من كانت أعياد ميلادهم في هذا اليوم.
كنا نتابع ذلك كل صباح من خلال شاشات التليفزيون الموجودة في كل غرفة رئيسية. الغرفة الرئيسية هي التي ينتمي لها كل طالب و يجب أن يحضر إليها كل صباح ليكتب حاضر في المدرسة، و هي نفس المكان الذي نأخذ فيه حصة الدين المسيحي و دراسة الإنجيل.
مرة خرج مستر سترايزلي ليهنأنا بفوز فريق المدرسة العظيم لكرة القدم الأمريكية، فريق الRockets، و ليخبرنا بشيء آخر. وجدته يقول في مرة:" يجب علي كل طالب في كاثوليك هاي تحية جيك تشايس الذي قد مزق كتفه في التمرين و كان يتألم بشدة لكنه ابتلع كل هذا الألم بكل رجولة و لعب في المباراة الليلة الماضية، يجب أن تحيوا هذه الرجولة من زميلكم، و يجب علي كل طالب منكم التحلي بمثل هذه الرجولة، فإن أصيب أحد منكم ببعض البرد فلا يقول لا أقدر علي الحضور للمدرسة أو لا أقدر علي المذاكرة، يجب عليه أن يبتلع كل هذا كما فعل زميلكم جيك تشايس". جيك كان معي في غرفتي الرئيسية و كلنا صفقنا له و أصدرنا الكثير من الohh و الYeah تحية له.
يعلمني ما رأيته الكثير عن كيف يستطيع قائد كمدير المدرسة تشجيع سلوك و ذم سلوك آخر. كيف استطاع إجلال قيمة من القيم عن طريق تكريم زميل لنا يجلس في نفس مقاعدنا بهذه الطريقة الرائعة. كلنا وددنا لو كنا في مكان جيك في هذا اليوم لنكرم بهذه الطريقة الجميلة، و أكيد جيك بعدها لم ينس ذلك و ظل يتحلي بهذه القدرة علي الإحتمال بهذه الرجولة.
في يومٍ آخر ألقي مستر سترايزلي إلينا بتحذير صارم: "سيرفد كل من يتشاجر في حرم المدرسة و كل من يُري حتي واقفاً ليشاهد المشاجرة، لأن لا مشاجرة تكتمل إلا بدون مشاهدين، أكرر سيرفد كل من يشارك في مشاجرة و كل من يقف ليتفرج، و لا يوجد مجال للتسامح." هذا القائد لم يحذر فقط أصحاب المشكلة الرئيسيين و لكن حذر أيضاً كل من يشارك و لو بالسلب في حدوث المشكلة. الموضوع في غاية البساطة. لم أتذكر أني شهدت مشاجرة واحدة بعدها في المدرسة، علي الرغم من أن الشجار في المدارس الأمريكية ووجود متفرجين و مشجعين له هو المعتاد، لكن ليس في إدارة مستر سترايزلي، ليس تحت سقف كاثوليك هاي.
في صباح آخر وجدناه يقول أن زميل من زملائنا يريد أن يقول شيئاً. وجدنا زميل لنا نعرفه كلنا يجلس مكان مستر سترايزلي و يقول في ندم:" أنا چون و أنا تعودت علي تنمر زملائي الأضعف مني و أنا شديد الندم علي ذلك، و أنا أعتذر علي ذلك من كل طالب في كاثوليك هاي، أنا متنمر و أعتذر عن ذلك" جعله مستر سترايزلي يقول ذلك أمام المدرسة كلها بسبب مضايقاته المتكرره لزملائه الأصغر و ما كان يتسبب من ذلك من كره هؤلاء الطلبة للمدرسة و مشاكل نفسية أخري. هذا التصرف من ذلك القائد، و الذي يشبه كثيراً التجريس في كثير من القري المصرية بتركيب المتجرس حمار بالمقلوب و زفه في القرية كلها بأغاني مهينة له و لفعلته، يحق الحق و يذم ما يجب ذمه و يتخلص من كل ما هو ردئ في الجماعة و يستأصله تماماً.
" ريتشارد تشيك زميلكم وجد خمسة دولارات علي الأرض و سلمهم للإدارة، ريتشارد رجل أمين و صادق"
المناداة بوجود أخلاق و قيم رفيعة في المجتمع شيء سهل، لكن الأصعب هو غرز هذه القيم في عقول
مراهقين في الثانوية، و هو سن التكوين العقلي الأخطر علي الإطلاق. هذه القيم هي نفسها التي كانت موجودة في مصر حتي ستينات القرن الماضي و رحلت عنا مع رحيل المعلمين و القادة، و الأهم، رحيل الآدمية.
كل احترامي لستيف سترايزلي مدير مدرسة كاثوليك هاي في ليتل روك ولاية أركنساس الجنوبية. ستيف سترايزلي القائد و الأب و المعلم.

No comments:
Post a Comment