Monday, March 23, 2015

ليندا.. الجزء الأول

      كنت في حالة يرثي لها حينذاك. لي هاربر، السيدة التي استضافتني شهر و نصف ، اضطرت لجعلي أترك منزلها. أتعبها ابنها مايلز كثيراً، بسبب درجاته المتدنية في كل المواد، في نفس الوقت الذي حصلت فيه علي درجات عالية في كل موادي. طفليها الإثنين جاك و لورين، رغم كونهم من أظرف الأطفال الذين رأيتهم في عمري، كانوا منهكين لأمهم ، أعمارهم ٤ و ٥ سنوات، لورين الأكبر. أري لي طوال اليوم تجري وراءهم بالطعام و لكي تساعدهم علي إرتداء الملابس أو خلعها أو علي الإستحمام. كل حركة فيها تعب جسدي و عصبي عليها. و في لحظة غضب علي مايلز بعد ظهور نتيجة الترم صرخت : " و أنت يا مأمون، سيكون عليك البحث عن بيت آخر، لن نقدر علي إستضافتك أكثر من ذلك." أحسست بأشياء كثيرة حينها. أكره كثيراً أن يصرخ في وجهي أحد، زائد أنني كنت أتحمل الكثير من الأمور السخيفة و القواعد احتراماً و تقديراً للي و استضافتها لي. كل هذا لم يجدي.. لم أطلب أبداً من قبل أن أغادر هذا المنزل رغم معاناتي، لكني سأغادر في كل الأحوال. ترجلت من السيارة و أغلقت بابها بكل ما أوتي بي من قوة من شدة الغضب. صعدت إلي غرفتي. استغربت كثيراً حين وجدت مايلز يصعد ورائي يحاول تطييب خاطري. أنا و مايلز لم نكن علي وفاق في كثير من الأيام. في الأغلب كنا لا نتكلم. رددته في غضب و دخلت غرفتي ثانية .. جريج، زوج لي صعد لغرفتي و طرق الباب، عندما علمت أنه جريج سمحت له بالدخول. 

      جريج كان قريب مني وقت بقائي في بيتهم. كنا نتحدث عن كل شيء، عن السياسة و عن الأفلام و عن الرياضةتكلمنا عن عمله كمندوب أجهزة طبية. كان يقابل الأطباء في المستشفيات و أخبرني عن الأطباء المصريين و الأتراك المسلمين الذين قابلهم. طبيب تركي لا يقرب لحم الخنزير لكنه يحتسي الخمر و يحب النساء.. طبيب مصري إسمه محمد مرسي حسن الخلق و محترم، و آخرون. رأيت د.مرسي من قبل في مسجد ليتل روك لكني ظننته سجين أطلقوا سراحه ليوم ليصلي، كان يرتدي الscrub، و هو حليق الشعر بشارب أسود. عندما عرفني جريج عليه عرفت أنه من أكبر أطباء القلب في UAMS، جامعة أركنساس الطبية. 

     جريج دخل ليعتذر لي عن كل شيء.. كان يعلم معاناتي مع لي و يعلم أنني كنت أتحمل تقديراً لاستضافتها لي و مراعاة لظروفها مع مايلز ولدها و الطفلين. أخبرني أنه لم يكن يريد ذلك، و لم ترده لي أيضاً لكن الموقف صار غير صحي. لم يهدئ من روعي غير كلامه. لكني كنت في قلق شديد. 

      من شهر و نصف عرفت أن هذه عائلتي المستضيفة التي سأظل معها حتي آخر بقائي في أمريكا، فإن تركتني هذه العائلة إذن أين سأذهب؟ هل سأعود إلي مصر؟ هل فشلت تجربتي؟ مشيت كل الخطوات و راعيت ما راعيت و تقبلت ما تقبلت، فمن أين أتي الفشل؟ فشل.. هذا ما ظننته في ما حدث معي وقتها.

   تناقشنا أنا و جريج كثيراً في السياسة. جريج يكره سياسة أمريكا الخارجية في العالم كله، خصوصاً سياستها تجاه العرب و المسلمين و احتلالهم لأفغانستان و العراق و سيطرتهم السياسية علي أغلب البلاد العربية و المسلمة. كان مدرك بأن الإعلام في أمريكا مضلل تجاهنا.. يصور كل المسلمين و العرب علي أنهم إرهابيين لا عمل لهم إلا حمل السلاح في الشوارع و قتل الكفار أو قتل بعضهم لبعض. أو يصورهم كعرب فاحشي الثراء ببطون ممتلئة بنفط الخليج لا هم لهم إلا شراء السيارات و الزواج من النساء. جريج كان يعلم أن هذه ليست كل الحقيقة و احترمت ذلك منه كثيراً. تحدثنا كثيراً عن مصر و تأثر أهلها بسياسة أمريكا الفاسدة.. و عن فلسطين و حقها في إقامة دولة و غياب هذا الحق لإسرائيل في احتلال أرض عربية و بناء المتطرفين الصهاينة لمزيد من المستوطنات بعد طرد العرب منها بمساندة الجيش الصهيوني. لم أضف إلي معلوماته كثيراً فقد كان يعلم معظم هذه الأحداث. 

     كان يطيب خاطري حين أفيض له بما أعانيه من قوانين لي الصارمة في البيت. كان يتعاطف معي لكن في نفس الوقت كان يشرح لي أن لي تضع هذه القواعد لمايلز أيضاً حتي يلتزم.. و كيف أن صبرها ينفد في التعامل مع الطفلين. لذلك كنت أتحمل قوانينها في صمت؛ مثل عدم السماح لي بأخذ قيلولة بعد العودة من المدرسة ، حتي عندما كنا في رمضان و أنا صائم و لا أقدر علي البقاء مستيقظاً بعد اليوم الطويل في المدرسة. لم ترد أن يبقي أحد مستيقظاً لوقت متأخر في البيت ثم لا يقدر علي الإستيقاظ مبكراً للمدرسة. 

     لي كانت حساسة أحياناً لبعض تعليقاتي.. رغم أني لم أكن أقصد أي تجريح بأي منها. قلت لها مرة أنني لاحظت أن معظم الأمريكان يضعون التقويم في أسنانهم، لابد أن أسنانهم بها مشكلة، قلت ذلك مداعباً. احتدت و غضبت كثيراً لا أدري لماذا و قد كان واضحاً أني أمزح. غضبت حين أخبرتها أننا أحياناً كنا نتسلق سور مدرستنا في مصر و نهرب لساعة أو ساعتين لنلعب بلايستيشن و أعطتني محاضرة أننا يجب أن نلتزم بقواعد المدرسة و بالحضور في الفصل. كانت لي علي أعصابها معظم الوقت بسبب أحوالهم المادية المزرية أحياناً، كانت تخبرني، أنها اقترضت من أمها بضع مرات.. لم أفهم كيف كانت هذه أوضاعهم المالية و أنا أسكن في منزلهم الواسع و المتكون من طابقين و لديهم سيارتين كبيرتين من طراز الدفع الرباعي. ربما السبب هو نظام الCredit Card الغريب المتبع هناك، الذي يمكنهم من الشراء ثم الدفع بعدها علي مهل. 

    لم يكن كل شيء سلبياً مع لي. كانت تقلني لتدريب كرة القدم و تعود لتأخذني. كانت تقربني لطفليها فألعب معهم و كانت تفرح لذلك. كنا نضحك علي جاك الذي لم يتحرك من مكانه بدون جميلته، المقصود بها غطاء حريري بلون السماء، يحملها معه في كل مكان و يبكي إذا لم يجدها أو لم تحضرها أمه شله في السيارة، أو في المطعم.. أو في الحمام حتي.

   يوم رحيلي أتت كاي باري لتأخذني. هتفت لي: " ألن تعطي أمك حضن أخير؟" . حضنتها بالفعل كأنها أمي. كانت قاسية علي أحياناً لكني رأيتها تقسو علي مايلز بنفس الطريقة، و هذا كان يملأ قلبي بالحب لها. 

    أخبرتني كاي، مستشارتي، بأني سأمكث في بيت جين مارتن، أمي الأمريكية الأولي، حتي يجدوا لي بيت آخر. كنت في غاية السعادة. بيت جين كان أول بيت أبيت فيه في ليتل روك. بيتها مريح و طريقة عيشهم هادئة و كانت جين تحبني كثيراً و كنت أعشقها. انتظرتني جين أمام المنزل بعد أن أقلتني كاي كأنها تقول لي: مرحباً بعودتك لبيتك الحقيقي" و أخذتني في حضنها. ستيف مارتن زوجها كان بنفس لطفها و طيبتها و انتظرني بجوارها فعانقته عناقي لأبي. لم يتغير الكثير في المنزل، غير أن والدة جين لم تعد علي قيد الحياة. لم تعد تجلس علي الكرسي الهزاز في الصالة تتفرج علي أي قناة في التليفزيون و في أنفها أنابيب ماكينة الأوكسيجين. دارلين كانت في الثالثة و التسعين من عمرها و لم تكن تدرك الكثير. لكن الغريب أنها كانت مدركة تماماً من أين أنا و ما ديانتي.  

       دخلت لغرفتي، الغرفة الصغيرة التي قضيت فيها أول ليلة لي في ليتل روك. أضأت الأباجورة، وضعت سي دي الموسيقي الكلاسيكية في الجهاز و جلست علي السرير. نوستالجيا رهيبة تغمرني. ثلاثة شهور في أمريكا و أعود لنفس المكان. ماذا حدث في تلك الشهور؟ كانت فرصة رائعة لتقييم الفترة و مدي نجاحي فيها. صرت أفهم حديث الناس حولي أفضل رغم اللكنة الجنوبية الغريبة علي أذني. درجاتي عالية في الدراسة و كل المدرسين أحبوني و زملائي صار بعضهم أصدقاء لي و كلهم يعرفون من أنا و من أين آتي. حدثت اختلافات ثقافية عديدة في هذه الفترة.. ملابس البنات و علاقتهم المنفتحة بالشباب.. عدم تفهم لي لفكرة رمضان و أنني أصوم و أحتاج الراحة و طريقتي المختلفة في الأكل و مواعيدي المختلفة. 

     هل أفرغ حقائبي أم أدعها كما هي؟ لا أدري متي سيجدوا لي عائلة جديدة. يا إلهي.. لا ألبث أتعود علي عائلة و بيتهم و طبائعهم حتي أضطر للمغادرة و العودة لمربع واحد. ربما هذا لخير حتي أري أقصي ما يمكن رؤيته من طبائع و ثقافات داخلية مختلفة. لعله للخير. الموسيقي الكلاسيكية و الضوء الأصفر من الأباجورة رحبوا بي في بيتي القديم. انغلقت أستار العين.. نهاية المشهد الأول.

Monday, March 16, 2015

هارڤي

   هارڤي.. اسم مسرحية مثلت علي المسرح في أمريكا لأول مرة عام ١٩٤٤ تأليف ماري تشايس التي حصلت علي جائزة بيوليتزر في السنة التالية عن نفس المسرحية. قررت مدرسة كاثوليك هاي، مدرستي الأمريكية العزيزة، أن تكون هذه المسرحية هي العمل المسرحي لعام ٢٠٠٨. هارڤي  علي مسرح كاثوليك هاي من أكثر المسرحيات التي استمتعت بها في حياتي، و قربت إلي ذهني مفهوم الفن المسرحي.

       مس رينولدز، أمينة المكتبة في كاثوليك و صديقتي أيضاً منذ علمت أنني أتحدث ثلاث لغات بالإضافة لإجادتي لبعض العبارات التركية، و بسبب أيضاً ترددي علي مكتبتها، كانت هي المسؤولة عن التسجيل لتجارب الآداء. أعجبت بإهتمامي الشديد بالأدب الأمريكي و تحدثت عني لكثير من زملائها. كانت سيدة جميلة في أربعينات العمر بعود كغصن البان ينتمي لفتاة عشرينية. كنت أذهب للمكتبة أيضاً حتي أتصفح الانترنت، فلم يكن في بيت ليندا انترنت، لم يكن هناك إلا كمبيوتر خرب لم أجرب أن أتعامل معه إلا مرة واحدة و كنت مضطر لأكتب بحثي عن أرسطو في فصل مستر سبنسر للحضارة الغربية. 

     علمت ببدء تجارب الآداء و أحببت أن أجرب، و كانت هذه من تجارب الفشل التي أحببتها كثيراً    تجارب الآداء كانت بعد إنتهاء اليوم في المسرح الكبير Auditorium. ذهبت هناك و دخلت المسرح  لأجد مفاجأة. بنات من مدرسة ماونت سانت ماري تجمعن في المسرح فهم مشاركون في المسرحية و في تجارب الآداء أيضاً. مشهد غريب فهذا المسرح لا أري فيه سوي فتيان كاثوليك هاي علي الكراسي و يمر بجانبهم في الممرات المدرسون و مدربون الكرة الأمريكية بحنجراتهم الغليظة ليصرخوا في الطلبة أن يغلقوا أفواههم. عطر البنات الموجودة ملحوظ في المكان. جلست أنتظر دوري. المشهد المستخدم الآن في تجارب الأداء بين سيد و سيدة و بينهم حوار و حركة. عندما أتي دوري حاولت تمثيل السكريبت لكن لم أنتبه لوجود حركة مع الكلام فكانت حركتي مخالفة للمشهد.. كان المفروض أن أجلس عند نقطة معينة و لم أفعل. علمت بعدها أني لن أنجح، خصوصاً عندما رأيت تجارب آداء الآخرين، بعضهم كانوا مذهلين و متقمصين لأدوارهم و حركاتهم كأنهم يعرفون المسرحية من قبل ( ربما، هارفي مسرحية قديمة في التراث المسرحي الأمريكي حسبما علمت بعدها). لم أبالي كثيراً بفشلي و أحببت التجربة. و ترقبت معرفة من فاز بالأدوار في المسرحية. 

     يوم المسرحية، أول سبت في مايو ٢٠٠٨، اصطحبت ليندا معي لنشاهد المسرحية. رأيت الكثير من زملائي يومها و عرفتهم علي ليندا و قدمتها أنها أمي المستضيفة، و لاحظت بعض نظرات الدهشة من المصطلح، لكني كنت أبتسم و أشرح. هي السيدة التي تستضيفني حتي انتهاء بقائي في أمريكا.. ليندا أكبر من ذلك بكثير. 

    ذهلت بروعة الإخراج و التمثيل علي مسرح مدرستي. كنت أحاول التعرف علي شخصيات المسرحية الحقيقية، و كلما كنت أعرف أدهش من روعة تمثيل زملائي في نفس مدرستي. مسرحية كوميدية تخلو تماماً من الابتذال و من الكليشيهات و الإفيهات. كوميديا موقف خالصة و إبداع في الاخراج، بعدها عرفت مصدر هذا الإبداع، مس رينولدز أخرجت هذا العمل.

  تحكي المسرحية قصة  مستر "بي داود"،الشخصية الرئيسية، رجل في غاية اللطف لكن أخته "فيتا"  تشك في قدراته العقلية لأنه يقول أن صديقه المقرب هو أرنب وردي طوله ٦ أقدام و ٤ بوصات و نصف ( حوالي ١٩٥ سم)، و تريد إدخاله مصحة عقلية خوفاً علي نفسها و علي إبنتها "ميرتل ماي" من الفضيحة حيث أن مستر"بي داود" يقدم صديقه الأرنب لكل من يقابله  و أخته "فيتا" تود تسلق سلالم المجتمع الراقي. طوال المسرحية تتهمه أخته و آخرون بالجنون و هو بغاية اللطف يحاول تفنيد هذا الإتهام و يصف لهم هارڤي و يحكي لهم المحادثات التي تدور بينهم. في نهاية الأمر تقتنع "فيتا" بأنها تفضل أن يبقي "بي داود" لطيفاً و طيب القلب علي أن تجعله الأدوية غريباً. قام بدور "بي داود" زميلي في السنة النهائية آنذاك وين ووردلا. وين كان من ألطف الناس الذي رأيتهم في حياتي. وين فاز بانتخابات اتحاد الطلبة باكتساح لشعبيته بيننا. عرفت بعد عودتي بسنتين أنه توفي في حادثة سير. 

     حضرت بعدها مسرحية في مسرح ليتل روك للفنون عن كفاح عمال مناجم الفحم و حياتهم الصعبة المحفوفة بالمخاطر، و الموت في أحيان كثيرة. عبقرية المسرحية كانت في عرض كفاح العمال للحصول علي حقهم في الأمان في المناجم و مزجه بالفن الذي أنتجته هذه الشريحة من الناس في ذلك الوقت، أغلبه موسيقي و أغاني حزينة عن الموت في الكهوف و ظروف العمل و العيش القاسي. 

    يزدهر المسرح في عصور الازدهار الفكري و تقدره الشعوب و الحضارات السامية التي تعلم فاعلية هذا الفن الراقي في التعبير عن ثقافة الشعوب بمختلف طبقاتهم و حرفهم و لهجاتهم. ازدهر المسرح في اليونان القديمة و كان من كبار كتاب المسرح يوربيديس و سوفوكليس و اسكليس. في انجلترا كان شكسبير.. فرنسا موليير و فكتور هوجو.. روسيا ليو تولستوي، حتي أمريكا بها يوجين أونيل و ثورنتون و غيرهم. بالإضافة إلي ذلك هو أداة توثيق رهيبة تعكس للتاريخ صورة عن الزمن الذي تنتج فيه الأعمال المسرحية. أتمني ازدهار المسرح العربي و تقدير الفنون العربية فبالفن الراقي الهادف ترتقي الشعوب و تقترب لأصل الإنسانية، أما إهمال الفن أو نسخ الفنون الغربية و الانسلاخ عن عربيتنا و إسلامنا فهو أشد تدميراً من أي إحتلال.


Sunday, March 15, 2015

أوراق السيدة ل .. الجزء الثاني

     أجلس هنا و أتفاجأ بصور خطبتها بجانب زوجها ترتدي فستان جميل. كنا نعلم بحتمية حدوث هذا. ستتزوج و لن نتكلم مجدداً أبداً. حدثتها كثيراً عن بعض الأشياء التي إن فعلناها علي مدة طويلة تنهي علاقتنا بسلاسة ، و بدون أي علامات في روح أي منا. قلت لها نكتب كل شيء، كل خاطرة.. كل فكرة.. نحاول شرح بعض الإحساسات التي راودتنا عندما كنا سوياً، و لم نختبرها فرادي، بشكل مكتوب توثيقاً لما كان من علاقة إنسانية فريدة من نوعها بيننا. " استراتيجية خروج" هذا ما أطلقته علي انهاء علاقتنا بسهولة. وافقتني لكنها قط لم تساعد أو تنفذ، فكنت لا أراها بالشهور. لا أسمع صوتها حتي. طبيعي. كل ما حدث كان طبيعياً جداً. لا أدري ما أدخل في قلبي كل هذا الأمل أنها ستتصرف بشكل مختلف. ألومها و لا ألومها. أود لو أصرخ في وجهها و أود أن أهنئها علي خطبتها السعيدة. 

    بسببها أحسست ما لم أحس من قبل. اكتشفت الكثير عن نفسي و عنها و عن العالم. الدنيا كلها اهتزت في عيني و في هزاتها تهتز المفاهيم و القوانين و القواعد الثابتة الجامدة. كل قواعد اللعبة تتغير، لم يعد هناك قواعد. 

    الطفل في داخلي محزون، لا أنكر عليه حزنه. الطفل لا يلوي علي شيء في الدنيا إلا أنه إذا أراد شيئاً فيجب أن يحضره والداه و إلا حرمهما النوم و ملأ الدنيا نحيب و صراخ. هذا هو الطفل بداخلي و إن أنكرت عليه الحزن فلا يستحق الشخص البالغ في روحي الحياة. فما كان البالغ إلا بفضل الطفل. 

    كانت مثل قطعة الشوكولاته الفاخرة التي تذهب العقل بورقتها الخارجية اللامعة الجذابة، و طعم يضغط علي أزرار المتعة الإنسانية فقط بالتذوق. كانت هي نفس الحلوي لكن الفارق أن المتعة تصلني بالكلام..بالحديث مع هذه الآنسة البعيدة كل البعد عني و ثقافتي و خلفيتي، و قد رأيت في أمريكا من هم أقرب إلي ثقافياً. الحديث معها يحيل الدنيا إلي كشكول فارغ بلا سطور أو كلمات. كشكول باللون الأصفر. أنا أول من يكتب في هذا الكشكول الدنيوي. نتحدث في كل شيء و أي شيء.. كان الوقت يتوقف حين كنا نتحدث لأن حديثنا كان من الممكن أن يحدث في أي زمن به سيدة و رجل. أن يكون بيننا حديث في الأساس دليل علي قدرة أي إنسان أن يعيش و يتعايش و ينسجم مع إنسان آخر مهما كان. 

     معها اختبرت معان جديدة للحب. معها عرفت المعني الحقيقي للحب. الحب الرومانسي.. كم هو ضئيل نسبة لمفهوم الحب. حبنا كان حباً كونياً. كان أسمي أنواع الحب، فلم يكن لأي غرض علي الإطلاق. الحب الذي يرقي الروح و يرهف المشاعر.. كالموسيقي الراقية المفعمة بمدغدغات الحس. كالأغنية الجميلة بكلمات شاعر يعرف أين يذهب كل حرف من حروفه حين يضعهم جنباً لجنب لتكوين الكلمات ثم الأبيات ثم القصائد. فهمت معها حب الإبن لأمه، فقد كانت أمي في بعض الأحيان أتكور كالأطفال في حجرها حين تظلم سماء الدنيا و تزيد العواصف. حب البنت لأبيها حين تخيفها الدنيا أو تستعصي علي فهمها فتختبيء خلف فخذ أبيها فهو قادر علي صد أعتي الوحوش، كل ما عليها هو أن تختبيء جيداً خلفه، و هو بالمرصاد. حب الأخ لأخته حين تكون الدنيا صحاري قفر و نباتات الصبار، و تأتي الأخت لتكون المطر الذي يلطف الجو و يبرده و يكون اليد الحانية علي ساكني هذه الرمال الصفراء القاحلة، فيسري علي الأنفس و يرسم الضحكة علي الوجوه و يصبح كل شيء سلس و جميل. حب الأخت لأخيها فهو الأب الصغير و خط الدفاع الأول و المفتاح لكل ما هو معقد في عالم كثر فيه الذكور و قل فيه الرجال. كانت الدنيا جميلة، بلمستها و رقتها و كلماتها التي لا تمت لكلماتي بصلة. اكتشاف الأبعاد الأخري للجمال عن طريقها ..كانت رحلة أحببت أن أخوض غمارها. الحب هو الحب، لا فرق بين حب الأم أو الأخت أو الحبيبة أو الصديق أو الصديقة، أو حب الوالدين حتي. 

ربما هي المفاجأة برؤية صور الخطوبة؟ كنت أعلم أن خطبتها عن قريب لكن لم أتخيل أني سأعرف من بضع الصور علي الفيسبوك. لم أتخيل أننا صرنا بهذا البعد. 

     الرحيل كان حتمي. كانت لحظة نعرف وجودها في المستقبل، و تكلمنا عن هذه اللحظة كثيراً. قلنا سنكتب كل هذه المشاعر الملحمية حتي لا تمسحها أمواج الزمن من علي رمال قلوبنا. أفعلها أنا و لم نفعل. قالت ستعطيني عنوان بيت جدتها حتي أرسل طبعة كتابي الأول الموقعة عليه. لم تفعل. لم تودعني عند رحيلي من بلدنا. لم تودعني. 

       لازلت في قلبها، الأب و الأخ و الصديق. في ذلك الركن الخفي الذي لا تمتزج دماؤه بدماء لسانها فتتكلم. لازلت في عقلها، في ذلك المكان الذي لا تري خلاياه العصبية خلايا يدها فترفع محمولها و تكلمني. أعرف ذلك كما أعرف الليل المظلم و الصباح الذي تزدحم في سمائه السحب فتحجب آشعة الشمس. لكنها الآن لا تنتمي إليّ. لم تعد ملكاً لي. و في هذا كل الراحة .. و كل الألم.