Sunday, March 15, 2015

أوراق السيدة ل .. الجزء الثاني

     أجلس هنا و أتفاجأ بصور خطبتها بجانب زوجها ترتدي فستان جميل. كنا نعلم بحتمية حدوث هذا. ستتزوج و لن نتكلم مجدداً أبداً. حدثتها كثيراً عن بعض الأشياء التي إن فعلناها علي مدة طويلة تنهي علاقتنا بسلاسة ، و بدون أي علامات في روح أي منا. قلت لها نكتب كل شيء، كل خاطرة.. كل فكرة.. نحاول شرح بعض الإحساسات التي راودتنا عندما كنا سوياً، و لم نختبرها فرادي، بشكل مكتوب توثيقاً لما كان من علاقة إنسانية فريدة من نوعها بيننا. " استراتيجية خروج" هذا ما أطلقته علي انهاء علاقتنا بسهولة. وافقتني لكنها قط لم تساعد أو تنفذ، فكنت لا أراها بالشهور. لا أسمع صوتها حتي. طبيعي. كل ما حدث كان طبيعياً جداً. لا أدري ما أدخل في قلبي كل هذا الأمل أنها ستتصرف بشكل مختلف. ألومها و لا ألومها. أود لو أصرخ في وجهها و أود أن أهنئها علي خطبتها السعيدة. 

    بسببها أحسست ما لم أحس من قبل. اكتشفت الكثير عن نفسي و عنها و عن العالم. الدنيا كلها اهتزت في عيني و في هزاتها تهتز المفاهيم و القوانين و القواعد الثابتة الجامدة. كل قواعد اللعبة تتغير، لم يعد هناك قواعد. 

    الطفل في داخلي محزون، لا أنكر عليه حزنه. الطفل لا يلوي علي شيء في الدنيا إلا أنه إذا أراد شيئاً فيجب أن يحضره والداه و إلا حرمهما النوم و ملأ الدنيا نحيب و صراخ. هذا هو الطفل بداخلي و إن أنكرت عليه الحزن فلا يستحق الشخص البالغ في روحي الحياة. فما كان البالغ إلا بفضل الطفل. 

    كانت مثل قطعة الشوكولاته الفاخرة التي تذهب العقل بورقتها الخارجية اللامعة الجذابة، و طعم يضغط علي أزرار المتعة الإنسانية فقط بالتذوق. كانت هي نفس الحلوي لكن الفارق أن المتعة تصلني بالكلام..بالحديث مع هذه الآنسة البعيدة كل البعد عني و ثقافتي و خلفيتي، و قد رأيت في أمريكا من هم أقرب إلي ثقافياً. الحديث معها يحيل الدنيا إلي كشكول فارغ بلا سطور أو كلمات. كشكول باللون الأصفر. أنا أول من يكتب في هذا الكشكول الدنيوي. نتحدث في كل شيء و أي شيء.. كان الوقت يتوقف حين كنا نتحدث لأن حديثنا كان من الممكن أن يحدث في أي زمن به سيدة و رجل. أن يكون بيننا حديث في الأساس دليل علي قدرة أي إنسان أن يعيش و يتعايش و ينسجم مع إنسان آخر مهما كان. 

     معها اختبرت معان جديدة للحب. معها عرفت المعني الحقيقي للحب. الحب الرومانسي.. كم هو ضئيل نسبة لمفهوم الحب. حبنا كان حباً كونياً. كان أسمي أنواع الحب، فلم يكن لأي غرض علي الإطلاق. الحب الذي يرقي الروح و يرهف المشاعر.. كالموسيقي الراقية المفعمة بمدغدغات الحس. كالأغنية الجميلة بكلمات شاعر يعرف أين يذهب كل حرف من حروفه حين يضعهم جنباً لجنب لتكوين الكلمات ثم الأبيات ثم القصائد. فهمت معها حب الإبن لأمه، فقد كانت أمي في بعض الأحيان أتكور كالأطفال في حجرها حين تظلم سماء الدنيا و تزيد العواصف. حب البنت لأبيها حين تخيفها الدنيا أو تستعصي علي فهمها فتختبيء خلف فخذ أبيها فهو قادر علي صد أعتي الوحوش، كل ما عليها هو أن تختبيء جيداً خلفه، و هو بالمرصاد. حب الأخ لأخته حين تكون الدنيا صحاري قفر و نباتات الصبار، و تأتي الأخت لتكون المطر الذي يلطف الجو و يبرده و يكون اليد الحانية علي ساكني هذه الرمال الصفراء القاحلة، فيسري علي الأنفس و يرسم الضحكة علي الوجوه و يصبح كل شيء سلس و جميل. حب الأخت لأخيها فهو الأب الصغير و خط الدفاع الأول و المفتاح لكل ما هو معقد في عالم كثر فيه الذكور و قل فيه الرجال. كانت الدنيا جميلة، بلمستها و رقتها و كلماتها التي لا تمت لكلماتي بصلة. اكتشاف الأبعاد الأخري للجمال عن طريقها ..كانت رحلة أحببت أن أخوض غمارها. الحب هو الحب، لا فرق بين حب الأم أو الأخت أو الحبيبة أو الصديق أو الصديقة، أو حب الوالدين حتي. 

ربما هي المفاجأة برؤية صور الخطوبة؟ كنت أعلم أن خطبتها عن قريب لكن لم أتخيل أني سأعرف من بضع الصور علي الفيسبوك. لم أتخيل أننا صرنا بهذا البعد. 

     الرحيل كان حتمي. كانت لحظة نعرف وجودها في المستقبل، و تكلمنا عن هذه اللحظة كثيراً. قلنا سنكتب كل هذه المشاعر الملحمية حتي لا تمسحها أمواج الزمن من علي رمال قلوبنا. أفعلها أنا و لم نفعل. قالت ستعطيني عنوان بيت جدتها حتي أرسل طبعة كتابي الأول الموقعة عليه. لم تفعل. لم تودعني عند رحيلي من بلدنا. لم تودعني. 

       لازلت في قلبها، الأب و الأخ و الصديق. في ذلك الركن الخفي الذي لا تمتزج دماؤه بدماء لسانها فتتكلم. لازلت في عقلها، في ذلك المكان الذي لا تري خلاياه العصبية خلايا يدها فترفع محمولها و تكلمني. أعرف ذلك كما أعرف الليل المظلم و الصباح الذي تزدحم في سمائه السحب فتحجب آشعة الشمس. لكنها الآن لا تنتمي إليّ. لم تعد ملكاً لي. و في هذا كل الراحة .. و كل الألم.

No comments:

Post a Comment