كنت في حالة يرثي لها حينذاك. لي هاربر، السيدة التي استضافتني شهر و نصف ، اضطرت لجعلي أترك منزلها. أتعبها ابنها مايلز كثيراً، بسبب درجاته المتدنية في كل المواد، في نفس الوقت الذي حصلت فيه علي درجات عالية في كل موادي. طفليها الإثنين جاك و لورين، رغم كونهم من أظرف الأطفال الذين رأيتهم في عمري، كانوا منهكين لأمهم ، أعمارهم ٤ و ٥ سنوات، لورين الأكبر. أري لي طوال اليوم تجري وراءهم بالطعام و لكي تساعدهم علي إرتداء الملابس أو خلعها أو علي الإستحمام. كل حركة فيها تعب جسدي و عصبي عليها. و في لحظة غضب علي مايلز بعد ظهور نتيجة الترم صرخت : " و أنت يا مأمون، سيكون عليك البحث عن بيت آخر، لن نقدر علي إستضافتك أكثر من ذلك." أحسست بأشياء كثيرة حينها. أكره كثيراً أن يصرخ في وجهي أحد، زائد أنني كنت أتحمل الكثير من الأمور السخيفة و القواعد احتراماً و تقديراً للي و استضافتها لي. كل هذا لم يجدي.. لم أطلب أبداً من قبل أن أغادر هذا المنزل رغم معاناتي، لكني سأغادر في كل الأحوال. ترجلت من السيارة و أغلقت بابها بكل ما أوتي بي من قوة من شدة الغضب. صعدت إلي غرفتي. استغربت كثيراً حين وجدت مايلز يصعد ورائي يحاول تطييب خاطري. أنا و مايلز لم نكن علي وفاق في كثير من الأيام. في الأغلب كنا لا نتكلم. رددته في غضب و دخلت غرفتي ثانية .. جريج، زوج لي صعد لغرفتي و طرق الباب، عندما علمت أنه جريج سمحت له بالدخول.
جريج كان قريب مني وقت بقائي في بيتهم. كنا نتحدث عن كل شيء، عن السياسة و عن الأفلام و عن الرياضةتكلمنا عن عمله كمندوب أجهزة طبية. كان يقابل الأطباء في المستشفيات و أخبرني عن الأطباء المصريين و الأتراك المسلمين الذين قابلهم. طبيب تركي لا يقرب لحم الخنزير لكنه يحتسي الخمر و يحب النساء.. طبيب مصري إسمه محمد مرسي حسن الخلق و محترم، و آخرون. رأيت د.مرسي من قبل في مسجد ليتل روك لكني ظننته سجين أطلقوا سراحه ليوم ليصلي، كان يرتدي الscrub، و هو حليق الشعر بشارب أسود. عندما عرفني جريج عليه عرفت أنه من أكبر أطباء القلب في UAMS، جامعة أركنساس الطبية.
جريج دخل ليعتذر لي عن كل شيء.. كان يعلم معاناتي مع لي و يعلم أنني كنت أتحمل تقديراً لاستضافتها لي و مراعاة لظروفها مع مايلز ولدها و الطفلين. أخبرني أنه لم يكن يريد ذلك، و لم ترده لي أيضاً لكن الموقف صار غير صحي. لم يهدئ من روعي غير كلامه. لكني كنت في قلق شديد.
من شهر و نصف عرفت أن هذه عائلتي المستضيفة التي سأظل معها حتي آخر بقائي في أمريكا، فإن تركتني هذه العائلة إذن أين سأذهب؟ هل سأعود إلي مصر؟ هل فشلت تجربتي؟ مشيت كل الخطوات و راعيت ما راعيت و تقبلت ما تقبلت، فمن أين أتي الفشل؟ فشل.. هذا ما ظننته في ما حدث معي وقتها.
تناقشنا أنا و جريج كثيراً في السياسة. جريج يكره سياسة أمريكا الخارجية في العالم كله، خصوصاً سياستها تجاه العرب و المسلمين و احتلالهم لأفغانستان و العراق و سيطرتهم السياسية علي أغلب البلاد العربية و المسلمة. كان مدرك بأن الإعلام في أمريكا مضلل تجاهنا.. يصور كل المسلمين و العرب علي أنهم إرهابيين لا عمل لهم إلا حمل السلاح في الشوارع و قتل الكفار أو قتل بعضهم لبعض. أو يصورهم كعرب فاحشي الثراء ببطون ممتلئة بنفط الخليج لا هم لهم إلا شراء السيارات و الزواج من النساء. جريج كان يعلم أن هذه ليست كل الحقيقة و احترمت ذلك منه كثيراً. تحدثنا كثيراً عن مصر و تأثر أهلها بسياسة أمريكا الفاسدة.. و عن فلسطين و حقها في إقامة دولة و غياب هذا الحق لإسرائيل في احتلال أرض عربية و بناء المتطرفين الصهاينة لمزيد من المستوطنات بعد طرد العرب منها بمساندة الجيش الصهيوني. لم أضف إلي معلوماته كثيراً فقد كان يعلم معظم هذه الأحداث.
كان يطيب خاطري حين أفيض له بما أعانيه من قوانين لي الصارمة في البيت. كان يتعاطف معي لكن في نفس الوقت كان يشرح لي أن لي تضع هذه القواعد لمايلز أيضاً حتي يلتزم.. و كيف أن صبرها ينفد في التعامل مع الطفلين. لذلك كنت أتحمل قوانينها في صمت؛ مثل عدم السماح لي بأخذ قيلولة بعد العودة من المدرسة ، حتي عندما كنا في رمضان و أنا صائم و لا أقدر علي البقاء مستيقظاً بعد اليوم الطويل في المدرسة. لم ترد أن يبقي أحد مستيقظاً لوقت متأخر في البيت ثم لا يقدر علي الإستيقاظ مبكراً للمدرسة.
لي كانت حساسة أحياناً لبعض تعليقاتي.. رغم أني لم أكن أقصد أي تجريح بأي منها. قلت لها مرة أنني لاحظت أن معظم الأمريكان يضعون التقويم في أسنانهم، لابد أن أسنانهم بها مشكلة، قلت ذلك مداعباً. احتدت و غضبت كثيراً لا أدري لماذا و قد كان واضحاً أني أمزح. غضبت حين أخبرتها أننا أحياناً كنا نتسلق سور مدرستنا في مصر و نهرب لساعة أو ساعتين لنلعب بلايستيشن و أعطتني محاضرة أننا يجب أن نلتزم بقواعد المدرسة و بالحضور في الفصل. كانت لي علي أعصابها معظم الوقت بسبب أحوالهم المادية المزرية أحياناً، كانت تخبرني، أنها اقترضت من أمها بضع مرات.. لم أفهم كيف كانت هذه أوضاعهم المالية و أنا أسكن في منزلهم الواسع و المتكون من طابقين و لديهم سيارتين كبيرتين من طراز الدفع الرباعي. ربما السبب هو نظام الCredit Card الغريب المتبع هناك، الذي يمكنهم من الشراء ثم الدفع بعدها علي مهل.
لم يكن كل شيء سلبياً مع لي. كانت تقلني لتدريب كرة القدم و تعود لتأخذني. كانت تقربني لطفليها فألعب معهم و كانت تفرح لذلك. كنا نضحك علي جاك الذي لم يتحرك من مكانه بدون جميلته، المقصود بها غطاء حريري بلون السماء، يحملها معه في كل مكان و يبكي إذا لم يجدها أو لم تحضرها أمه شله في السيارة، أو في المطعم.. أو في الحمام حتي.
يوم رحيلي أتت كاي باري لتأخذني. هتفت لي: " ألن تعطي أمك حضن أخير؟" . حضنتها بالفعل كأنها أمي. كانت قاسية علي أحياناً لكني رأيتها تقسو علي مايلز بنفس الطريقة، و هذا كان يملأ قلبي بالحب لها.
أخبرتني كاي، مستشارتي، بأني سأمكث في بيت جين مارتن، أمي الأمريكية الأولي، حتي يجدوا لي بيت آخر. كنت في غاية السعادة. بيت جين كان أول بيت أبيت فيه في ليتل روك. بيتها مريح و طريقة عيشهم هادئة و كانت جين تحبني كثيراً و كنت أعشقها. انتظرتني جين أمام المنزل بعد أن أقلتني كاي كأنها تقول لي: مرحباً بعودتك لبيتك الحقيقي" و أخذتني في حضنها. ستيف مارتن زوجها كان بنفس لطفها و طيبتها و انتظرني بجوارها فعانقته عناقي لأبي. لم يتغير الكثير في المنزل، غير أن والدة جين لم تعد علي قيد الحياة. لم تعد تجلس علي الكرسي الهزاز في الصالة تتفرج علي أي قناة في التليفزيون و في أنفها أنابيب ماكينة الأوكسيجين. دارلين كانت في الثالثة و التسعين من عمرها و لم تكن تدرك الكثير. لكن الغريب أنها كانت مدركة تماماً من أين أنا و ما ديانتي.
دخلت لغرفتي، الغرفة الصغيرة التي قضيت فيها أول ليلة لي في ليتل روك. أضأت الأباجورة، وضعت سي دي الموسيقي الكلاسيكية في الجهاز و جلست علي السرير. نوستالجيا رهيبة تغمرني. ثلاثة شهور في أمريكا و أعود لنفس المكان. ماذا حدث في تلك الشهور؟ كانت فرصة رائعة لتقييم الفترة و مدي نجاحي فيها. صرت أفهم حديث الناس حولي أفضل رغم اللكنة الجنوبية الغريبة علي أذني. درجاتي عالية في الدراسة و كل المدرسين أحبوني و زملائي صار بعضهم أصدقاء لي و كلهم يعرفون من أنا و من أين آتي. حدثت اختلافات ثقافية عديدة في هذه الفترة.. ملابس البنات و علاقتهم المنفتحة بالشباب.. عدم تفهم لي لفكرة رمضان و أنني أصوم و أحتاج الراحة و طريقتي المختلفة في الأكل و مواعيدي المختلفة.
هل أفرغ حقائبي أم أدعها كما هي؟ لا أدري متي سيجدوا لي عائلة جديدة. يا إلهي.. لا ألبث أتعود علي عائلة و بيتهم و طبائعهم حتي أضطر للمغادرة و العودة لمربع واحد. ربما هذا لخير حتي أري أقصي ما يمكن رؤيته من طبائع و ثقافات داخلية مختلفة. لعله للخير. الموسيقي الكلاسيكية و الضوء الأصفر من الأباجورة رحبوا بي في بيتي القديم. انغلقت أستار العين.. نهاية المشهد الأول.

