Monday, March 23, 2015

ليندا.. الجزء الأول

      كنت في حالة يرثي لها حينذاك. لي هاربر، السيدة التي استضافتني شهر و نصف ، اضطرت لجعلي أترك منزلها. أتعبها ابنها مايلز كثيراً، بسبب درجاته المتدنية في كل المواد، في نفس الوقت الذي حصلت فيه علي درجات عالية في كل موادي. طفليها الإثنين جاك و لورين، رغم كونهم من أظرف الأطفال الذين رأيتهم في عمري، كانوا منهكين لأمهم ، أعمارهم ٤ و ٥ سنوات، لورين الأكبر. أري لي طوال اليوم تجري وراءهم بالطعام و لكي تساعدهم علي إرتداء الملابس أو خلعها أو علي الإستحمام. كل حركة فيها تعب جسدي و عصبي عليها. و في لحظة غضب علي مايلز بعد ظهور نتيجة الترم صرخت : " و أنت يا مأمون، سيكون عليك البحث عن بيت آخر، لن نقدر علي إستضافتك أكثر من ذلك." أحسست بأشياء كثيرة حينها. أكره كثيراً أن يصرخ في وجهي أحد، زائد أنني كنت أتحمل الكثير من الأمور السخيفة و القواعد احتراماً و تقديراً للي و استضافتها لي. كل هذا لم يجدي.. لم أطلب أبداً من قبل أن أغادر هذا المنزل رغم معاناتي، لكني سأغادر في كل الأحوال. ترجلت من السيارة و أغلقت بابها بكل ما أوتي بي من قوة من شدة الغضب. صعدت إلي غرفتي. استغربت كثيراً حين وجدت مايلز يصعد ورائي يحاول تطييب خاطري. أنا و مايلز لم نكن علي وفاق في كثير من الأيام. في الأغلب كنا لا نتكلم. رددته في غضب و دخلت غرفتي ثانية .. جريج، زوج لي صعد لغرفتي و طرق الباب، عندما علمت أنه جريج سمحت له بالدخول. 

      جريج كان قريب مني وقت بقائي في بيتهم. كنا نتحدث عن كل شيء، عن السياسة و عن الأفلام و عن الرياضةتكلمنا عن عمله كمندوب أجهزة طبية. كان يقابل الأطباء في المستشفيات و أخبرني عن الأطباء المصريين و الأتراك المسلمين الذين قابلهم. طبيب تركي لا يقرب لحم الخنزير لكنه يحتسي الخمر و يحب النساء.. طبيب مصري إسمه محمد مرسي حسن الخلق و محترم، و آخرون. رأيت د.مرسي من قبل في مسجد ليتل روك لكني ظننته سجين أطلقوا سراحه ليوم ليصلي، كان يرتدي الscrub، و هو حليق الشعر بشارب أسود. عندما عرفني جريج عليه عرفت أنه من أكبر أطباء القلب في UAMS، جامعة أركنساس الطبية. 

     جريج دخل ليعتذر لي عن كل شيء.. كان يعلم معاناتي مع لي و يعلم أنني كنت أتحمل تقديراً لاستضافتها لي و مراعاة لظروفها مع مايلز ولدها و الطفلين. أخبرني أنه لم يكن يريد ذلك، و لم ترده لي أيضاً لكن الموقف صار غير صحي. لم يهدئ من روعي غير كلامه. لكني كنت في قلق شديد. 

      من شهر و نصف عرفت أن هذه عائلتي المستضيفة التي سأظل معها حتي آخر بقائي في أمريكا، فإن تركتني هذه العائلة إذن أين سأذهب؟ هل سأعود إلي مصر؟ هل فشلت تجربتي؟ مشيت كل الخطوات و راعيت ما راعيت و تقبلت ما تقبلت، فمن أين أتي الفشل؟ فشل.. هذا ما ظننته في ما حدث معي وقتها.

   تناقشنا أنا و جريج كثيراً في السياسة. جريج يكره سياسة أمريكا الخارجية في العالم كله، خصوصاً سياستها تجاه العرب و المسلمين و احتلالهم لأفغانستان و العراق و سيطرتهم السياسية علي أغلب البلاد العربية و المسلمة. كان مدرك بأن الإعلام في أمريكا مضلل تجاهنا.. يصور كل المسلمين و العرب علي أنهم إرهابيين لا عمل لهم إلا حمل السلاح في الشوارع و قتل الكفار أو قتل بعضهم لبعض. أو يصورهم كعرب فاحشي الثراء ببطون ممتلئة بنفط الخليج لا هم لهم إلا شراء السيارات و الزواج من النساء. جريج كان يعلم أن هذه ليست كل الحقيقة و احترمت ذلك منه كثيراً. تحدثنا كثيراً عن مصر و تأثر أهلها بسياسة أمريكا الفاسدة.. و عن فلسطين و حقها في إقامة دولة و غياب هذا الحق لإسرائيل في احتلال أرض عربية و بناء المتطرفين الصهاينة لمزيد من المستوطنات بعد طرد العرب منها بمساندة الجيش الصهيوني. لم أضف إلي معلوماته كثيراً فقد كان يعلم معظم هذه الأحداث. 

     كان يطيب خاطري حين أفيض له بما أعانيه من قوانين لي الصارمة في البيت. كان يتعاطف معي لكن في نفس الوقت كان يشرح لي أن لي تضع هذه القواعد لمايلز أيضاً حتي يلتزم.. و كيف أن صبرها ينفد في التعامل مع الطفلين. لذلك كنت أتحمل قوانينها في صمت؛ مثل عدم السماح لي بأخذ قيلولة بعد العودة من المدرسة ، حتي عندما كنا في رمضان و أنا صائم و لا أقدر علي البقاء مستيقظاً بعد اليوم الطويل في المدرسة. لم ترد أن يبقي أحد مستيقظاً لوقت متأخر في البيت ثم لا يقدر علي الإستيقاظ مبكراً للمدرسة. 

     لي كانت حساسة أحياناً لبعض تعليقاتي.. رغم أني لم أكن أقصد أي تجريح بأي منها. قلت لها مرة أنني لاحظت أن معظم الأمريكان يضعون التقويم في أسنانهم، لابد أن أسنانهم بها مشكلة، قلت ذلك مداعباً. احتدت و غضبت كثيراً لا أدري لماذا و قد كان واضحاً أني أمزح. غضبت حين أخبرتها أننا أحياناً كنا نتسلق سور مدرستنا في مصر و نهرب لساعة أو ساعتين لنلعب بلايستيشن و أعطتني محاضرة أننا يجب أن نلتزم بقواعد المدرسة و بالحضور في الفصل. كانت لي علي أعصابها معظم الوقت بسبب أحوالهم المادية المزرية أحياناً، كانت تخبرني، أنها اقترضت من أمها بضع مرات.. لم أفهم كيف كانت هذه أوضاعهم المالية و أنا أسكن في منزلهم الواسع و المتكون من طابقين و لديهم سيارتين كبيرتين من طراز الدفع الرباعي. ربما السبب هو نظام الCredit Card الغريب المتبع هناك، الذي يمكنهم من الشراء ثم الدفع بعدها علي مهل. 

    لم يكن كل شيء سلبياً مع لي. كانت تقلني لتدريب كرة القدم و تعود لتأخذني. كانت تقربني لطفليها فألعب معهم و كانت تفرح لذلك. كنا نضحك علي جاك الذي لم يتحرك من مكانه بدون جميلته، المقصود بها غطاء حريري بلون السماء، يحملها معه في كل مكان و يبكي إذا لم يجدها أو لم تحضرها أمه شله في السيارة، أو في المطعم.. أو في الحمام حتي.

   يوم رحيلي أتت كاي باري لتأخذني. هتفت لي: " ألن تعطي أمك حضن أخير؟" . حضنتها بالفعل كأنها أمي. كانت قاسية علي أحياناً لكني رأيتها تقسو علي مايلز بنفس الطريقة، و هذا كان يملأ قلبي بالحب لها. 

    أخبرتني كاي، مستشارتي، بأني سأمكث في بيت جين مارتن، أمي الأمريكية الأولي، حتي يجدوا لي بيت آخر. كنت في غاية السعادة. بيت جين كان أول بيت أبيت فيه في ليتل روك. بيتها مريح و طريقة عيشهم هادئة و كانت جين تحبني كثيراً و كنت أعشقها. انتظرتني جين أمام المنزل بعد أن أقلتني كاي كأنها تقول لي: مرحباً بعودتك لبيتك الحقيقي" و أخذتني في حضنها. ستيف مارتن زوجها كان بنفس لطفها و طيبتها و انتظرني بجوارها فعانقته عناقي لأبي. لم يتغير الكثير في المنزل، غير أن والدة جين لم تعد علي قيد الحياة. لم تعد تجلس علي الكرسي الهزاز في الصالة تتفرج علي أي قناة في التليفزيون و في أنفها أنابيب ماكينة الأوكسيجين. دارلين كانت في الثالثة و التسعين من عمرها و لم تكن تدرك الكثير. لكن الغريب أنها كانت مدركة تماماً من أين أنا و ما ديانتي.  

       دخلت لغرفتي، الغرفة الصغيرة التي قضيت فيها أول ليلة لي في ليتل روك. أضأت الأباجورة، وضعت سي دي الموسيقي الكلاسيكية في الجهاز و جلست علي السرير. نوستالجيا رهيبة تغمرني. ثلاثة شهور في أمريكا و أعود لنفس المكان. ماذا حدث في تلك الشهور؟ كانت فرصة رائعة لتقييم الفترة و مدي نجاحي فيها. صرت أفهم حديث الناس حولي أفضل رغم اللكنة الجنوبية الغريبة علي أذني. درجاتي عالية في الدراسة و كل المدرسين أحبوني و زملائي صار بعضهم أصدقاء لي و كلهم يعرفون من أنا و من أين آتي. حدثت اختلافات ثقافية عديدة في هذه الفترة.. ملابس البنات و علاقتهم المنفتحة بالشباب.. عدم تفهم لي لفكرة رمضان و أنني أصوم و أحتاج الراحة و طريقتي المختلفة في الأكل و مواعيدي المختلفة. 

     هل أفرغ حقائبي أم أدعها كما هي؟ لا أدري متي سيجدوا لي عائلة جديدة. يا إلهي.. لا ألبث أتعود علي عائلة و بيتهم و طبائعهم حتي أضطر للمغادرة و العودة لمربع واحد. ربما هذا لخير حتي أري أقصي ما يمكن رؤيته من طبائع و ثقافات داخلية مختلفة. لعله للخير. الموسيقي الكلاسيكية و الضوء الأصفر من الأباجورة رحبوا بي في بيتي القديم. انغلقت أستار العين.. نهاية المشهد الأول.

Monday, March 16, 2015

هارڤي

   هارڤي.. اسم مسرحية مثلت علي المسرح في أمريكا لأول مرة عام ١٩٤٤ تأليف ماري تشايس التي حصلت علي جائزة بيوليتزر في السنة التالية عن نفس المسرحية. قررت مدرسة كاثوليك هاي، مدرستي الأمريكية العزيزة، أن تكون هذه المسرحية هي العمل المسرحي لعام ٢٠٠٨. هارڤي  علي مسرح كاثوليك هاي من أكثر المسرحيات التي استمتعت بها في حياتي، و قربت إلي ذهني مفهوم الفن المسرحي.

       مس رينولدز، أمينة المكتبة في كاثوليك و صديقتي أيضاً منذ علمت أنني أتحدث ثلاث لغات بالإضافة لإجادتي لبعض العبارات التركية، و بسبب أيضاً ترددي علي مكتبتها، كانت هي المسؤولة عن التسجيل لتجارب الآداء. أعجبت بإهتمامي الشديد بالأدب الأمريكي و تحدثت عني لكثير من زملائها. كانت سيدة جميلة في أربعينات العمر بعود كغصن البان ينتمي لفتاة عشرينية. كنت أذهب للمكتبة أيضاً حتي أتصفح الانترنت، فلم يكن في بيت ليندا انترنت، لم يكن هناك إلا كمبيوتر خرب لم أجرب أن أتعامل معه إلا مرة واحدة و كنت مضطر لأكتب بحثي عن أرسطو في فصل مستر سبنسر للحضارة الغربية. 

     علمت ببدء تجارب الآداء و أحببت أن أجرب، و كانت هذه من تجارب الفشل التي أحببتها كثيراً    تجارب الآداء كانت بعد إنتهاء اليوم في المسرح الكبير Auditorium. ذهبت هناك و دخلت المسرح  لأجد مفاجأة. بنات من مدرسة ماونت سانت ماري تجمعن في المسرح فهم مشاركون في المسرحية و في تجارب الآداء أيضاً. مشهد غريب فهذا المسرح لا أري فيه سوي فتيان كاثوليك هاي علي الكراسي و يمر بجانبهم في الممرات المدرسون و مدربون الكرة الأمريكية بحنجراتهم الغليظة ليصرخوا في الطلبة أن يغلقوا أفواههم. عطر البنات الموجودة ملحوظ في المكان. جلست أنتظر دوري. المشهد المستخدم الآن في تجارب الأداء بين سيد و سيدة و بينهم حوار و حركة. عندما أتي دوري حاولت تمثيل السكريبت لكن لم أنتبه لوجود حركة مع الكلام فكانت حركتي مخالفة للمشهد.. كان المفروض أن أجلس عند نقطة معينة و لم أفعل. علمت بعدها أني لن أنجح، خصوصاً عندما رأيت تجارب آداء الآخرين، بعضهم كانوا مذهلين و متقمصين لأدوارهم و حركاتهم كأنهم يعرفون المسرحية من قبل ( ربما، هارفي مسرحية قديمة في التراث المسرحي الأمريكي حسبما علمت بعدها). لم أبالي كثيراً بفشلي و أحببت التجربة. و ترقبت معرفة من فاز بالأدوار في المسرحية. 

     يوم المسرحية، أول سبت في مايو ٢٠٠٨، اصطحبت ليندا معي لنشاهد المسرحية. رأيت الكثير من زملائي يومها و عرفتهم علي ليندا و قدمتها أنها أمي المستضيفة، و لاحظت بعض نظرات الدهشة من المصطلح، لكني كنت أبتسم و أشرح. هي السيدة التي تستضيفني حتي انتهاء بقائي في أمريكا.. ليندا أكبر من ذلك بكثير. 

    ذهلت بروعة الإخراج و التمثيل علي مسرح مدرستي. كنت أحاول التعرف علي شخصيات المسرحية الحقيقية، و كلما كنت أعرف أدهش من روعة تمثيل زملائي في نفس مدرستي. مسرحية كوميدية تخلو تماماً من الابتذال و من الكليشيهات و الإفيهات. كوميديا موقف خالصة و إبداع في الاخراج، بعدها عرفت مصدر هذا الإبداع، مس رينولدز أخرجت هذا العمل.

  تحكي المسرحية قصة  مستر "بي داود"،الشخصية الرئيسية، رجل في غاية اللطف لكن أخته "فيتا"  تشك في قدراته العقلية لأنه يقول أن صديقه المقرب هو أرنب وردي طوله ٦ أقدام و ٤ بوصات و نصف ( حوالي ١٩٥ سم)، و تريد إدخاله مصحة عقلية خوفاً علي نفسها و علي إبنتها "ميرتل ماي" من الفضيحة حيث أن مستر"بي داود" يقدم صديقه الأرنب لكل من يقابله  و أخته "فيتا" تود تسلق سلالم المجتمع الراقي. طوال المسرحية تتهمه أخته و آخرون بالجنون و هو بغاية اللطف يحاول تفنيد هذا الإتهام و يصف لهم هارڤي و يحكي لهم المحادثات التي تدور بينهم. في نهاية الأمر تقتنع "فيتا" بأنها تفضل أن يبقي "بي داود" لطيفاً و طيب القلب علي أن تجعله الأدوية غريباً. قام بدور "بي داود" زميلي في السنة النهائية آنذاك وين ووردلا. وين كان من ألطف الناس الذي رأيتهم في حياتي. وين فاز بانتخابات اتحاد الطلبة باكتساح لشعبيته بيننا. عرفت بعد عودتي بسنتين أنه توفي في حادثة سير. 

     حضرت بعدها مسرحية في مسرح ليتل روك للفنون عن كفاح عمال مناجم الفحم و حياتهم الصعبة المحفوفة بالمخاطر، و الموت في أحيان كثيرة. عبقرية المسرحية كانت في عرض كفاح العمال للحصول علي حقهم في الأمان في المناجم و مزجه بالفن الذي أنتجته هذه الشريحة من الناس في ذلك الوقت، أغلبه موسيقي و أغاني حزينة عن الموت في الكهوف و ظروف العمل و العيش القاسي. 

    يزدهر المسرح في عصور الازدهار الفكري و تقدره الشعوب و الحضارات السامية التي تعلم فاعلية هذا الفن الراقي في التعبير عن ثقافة الشعوب بمختلف طبقاتهم و حرفهم و لهجاتهم. ازدهر المسرح في اليونان القديمة و كان من كبار كتاب المسرح يوربيديس و سوفوكليس و اسكليس. في انجلترا كان شكسبير.. فرنسا موليير و فكتور هوجو.. روسيا ليو تولستوي، حتي أمريكا بها يوجين أونيل و ثورنتون و غيرهم. بالإضافة إلي ذلك هو أداة توثيق رهيبة تعكس للتاريخ صورة عن الزمن الذي تنتج فيه الأعمال المسرحية. أتمني ازدهار المسرح العربي و تقدير الفنون العربية فبالفن الراقي الهادف ترتقي الشعوب و تقترب لأصل الإنسانية، أما إهمال الفن أو نسخ الفنون الغربية و الانسلاخ عن عربيتنا و إسلامنا فهو أشد تدميراً من أي إحتلال.


Sunday, March 15, 2015

أوراق السيدة ل .. الجزء الثاني

     أجلس هنا و أتفاجأ بصور خطبتها بجانب زوجها ترتدي فستان جميل. كنا نعلم بحتمية حدوث هذا. ستتزوج و لن نتكلم مجدداً أبداً. حدثتها كثيراً عن بعض الأشياء التي إن فعلناها علي مدة طويلة تنهي علاقتنا بسلاسة ، و بدون أي علامات في روح أي منا. قلت لها نكتب كل شيء، كل خاطرة.. كل فكرة.. نحاول شرح بعض الإحساسات التي راودتنا عندما كنا سوياً، و لم نختبرها فرادي، بشكل مكتوب توثيقاً لما كان من علاقة إنسانية فريدة من نوعها بيننا. " استراتيجية خروج" هذا ما أطلقته علي انهاء علاقتنا بسهولة. وافقتني لكنها قط لم تساعد أو تنفذ، فكنت لا أراها بالشهور. لا أسمع صوتها حتي. طبيعي. كل ما حدث كان طبيعياً جداً. لا أدري ما أدخل في قلبي كل هذا الأمل أنها ستتصرف بشكل مختلف. ألومها و لا ألومها. أود لو أصرخ في وجهها و أود أن أهنئها علي خطبتها السعيدة. 

    بسببها أحسست ما لم أحس من قبل. اكتشفت الكثير عن نفسي و عنها و عن العالم. الدنيا كلها اهتزت في عيني و في هزاتها تهتز المفاهيم و القوانين و القواعد الثابتة الجامدة. كل قواعد اللعبة تتغير، لم يعد هناك قواعد. 

    الطفل في داخلي محزون، لا أنكر عليه حزنه. الطفل لا يلوي علي شيء في الدنيا إلا أنه إذا أراد شيئاً فيجب أن يحضره والداه و إلا حرمهما النوم و ملأ الدنيا نحيب و صراخ. هذا هو الطفل بداخلي و إن أنكرت عليه الحزن فلا يستحق الشخص البالغ في روحي الحياة. فما كان البالغ إلا بفضل الطفل. 

    كانت مثل قطعة الشوكولاته الفاخرة التي تذهب العقل بورقتها الخارجية اللامعة الجذابة، و طعم يضغط علي أزرار المتعة الإنسانية فقط بالتذوق. كانت هي نفس الحلوي لكن الفارق أن المتعة تصلني بالكلام..بالحديث مع هذه الآنسة البعيدة كل البعد عني و ثقافتي و خلفيتي، و قد رأيت في أمريكا من هم أقرب إلي ثقافياً. الحديث معها يحيل الدنيا إلي كشكول فارغ بلا سطور أو كلمات. كشكول باللون الأصفر. أنا أول من يكتب في هذا الكشكول الدنيوي. نتحدث في كل شيء و أي شيء.. كان الوقت يتوقف حين كنا نتحدث لأن حديثنا كان من الممكن أن يحدث في أي زمن به سيدة و رجل. أن يكون بيننا حديث في الأساس دليل علي قدرة أي إنسان أن يعيش و يتعايش و ينسجم مع إنسان آخر مهما كان. 

     معها اختبرت معان جديدة للحب. معها عرفت المعني الحقيقي للحب. الحب الرومانسي.. كم هو ضئيل نسبة لمفهوم الحب. حبنا كان حباً كونياً. كان أسمي أنواع الحب، فلم يكن لأي غرض علي الإطلاق. الحب الذي يرقي الروح و يرهف المشاعر.. كالموسيقي الراقية المفعمة بمدغدغات الحس. كالأغنية الجميلة بكلمات شاعر يعرف أين يذهب كل حرف من حروفه حين يضعهم جنباً لجنب لتكوين الكلمات ثم الأبيات ثم القصائد. فهمت معها حب الإبن لأمه، فقد كانت أمي في بعض الأحيان أتكور كالأطفال في حجرها حين تظلم سماء الدنيا و تزيد العواصف. حب البنت لأبيها حين تخيفها الدنيا أو تستعصي علي فهمها فتختبيء خلف فخذ أبيها فهو قادر علي صد أعتي الوحوش، كل ما عليها هو أن تختبيء جيداً خلفه، و هو بالمرصاد. حب الأخ لأخته حين تكون الدنيا صحاري قفر و نباتات الصبار، و تأتي الأخت لتكون المطر الذي يلطف الجو و يبرده و يكون اليد الحانية علي ساكني هذه الرمال الصفراء القاحلة، فيسري علي الأنفس و يرسم الضحكة علي الوجوه و يصبح كل شيء سلس و جميل. حب الأخت لأخيها فهو الأب الصغير و خط الدفاع الأول و المفتاح لكل ما هو معقد في عالم كثر فيه الذكور و قل فيه الرجال. كانت الدنيا جميلة، بلمستها و رقتها و كلماتها التي لا تمت لكلماتي بصلة. اكتشاف الأبعاد الأخري للجمال عن طريقها ..كانت رحلة أحببت أن أخوض غمارها. الحب هو الحب، لا فرق بين حب الأم أو الأخت أو الحبيبة أو الصديق أو الصديقة، أو حب الوالدين حتي. 

ربما هي المفاجأة برؤية صور الخطوبة؟ كنت أعلم أن خطبتها عن قريب لكن لم أتخيل أني سأعرف من بضع الصور علي الفيسبوك. لم أتخيل أننا صرنا بهذا البعد. 

     الرحيل كان حتمي. كانت لحظة نعرف وجودها في المستقبل، و تكلمنا عن هذه اللحظة كثيراً. قلنا سنكتب كل هذه المشاعر الملحمية حتي لا تمسحها أمواج الزمن من علي رمال قلوبنا. أفعلها أنا و لم نفعل. قالت ستعطيني عنوان بيت جدتها حتي أرسل طبعة كتابي الأول الموقعة عليه. لم تفعل. لم تودعني عند رحيلي من بلدنا. لم تودعني. 

       لازلت في قلبها، الأب و الأخ و الصديق. في ذلك الركن الخفي الذي لا تمتزج دماؤه بدماء لسانها فتتكلم. لازلت في عقلها، في ذلك المكان الذي لا تري خلاياه العصبية خلايا يدها فترفع محمولها و تكلمني. أعرف ذلك كما أعرف الليل المظلم و الصباح الذي تزدحم في سمائه السحب فتحجب آشعة الشمس. لكنها الآن لا تنتمي إليّ. لم تعد ملكاً لي. و في هذا كل الراحة .. و كل الألم.

Tuesday, December 16, 2014

روكسان : الفصل الثاني

 روكسان الفصل الثاني..

     جلست في حانة " برنارد" في شرقي مدينة ليون و هي حانة مشهورة بحضور فرق الجاز للعزف في الحانة من الساعة الثامنة و حتي منتصف الليل كل يوم جمعة و سبت. معظم رواد الحانة هم من عشاق الجاز بكل أنواعه الهادئ و السريع و الناعم و البوسا نوفا. أردت أن أفرغ كل ما كان بي من ضغط عصبي و نفسي بعد أن سلمت بحثي عن بودلير و بعد الحادثة مع هذه الفتاة التي لا أعرف حتي إسمها حتي الآن. ريما لم تكن هي أجمل فتاة قد رأيتها لكنها ليست عادية. كأني رأيتها في حياة سابقة.. كأن عيناي لما رأيتها بعثت للمخ إشارة أن استخرج صورة من سحيق خلاياه عن هذه الفتاة و قد فعل.

    بالطبع لم يكن الخمر بالنسبة لي متاحاً، لا أحبه زائد أنه محرم.. علي الرغم من أني أدخن الحشيش كل حين و آخر و لا أحس بالذنب بعدها كثيراً.. و كلٌ يذهب العقل.. خلاصة القول.. لا أشرب. فقط أجلس في ركن قصيٍ من الحانة علي الطاولة الملاصقة للزجاج المطل علي شارع به أشجار باسقات و أعمدة إضاءة باللون الأصفر تتسم بالخفوت الناعم. أجلس في هذا المكان أشرب قهوتي أو الكابتشينو و أدخن سجائري بشراهة لا أعهدها إلا حين أكون في وسط العمل الدؤوب علي بحث أو بعد تسليمه، و بالطبع في الإمتحانات. و أتفرج علي الفرقة و هي تعزف الجاز فأرتعش رغم الجاكت الثقيل جداً الذي أرتديه فأنا أرتعش من شدة رقة و جمال هذا الفن الذي يغزله هؤلاء الفنانون. يفرش عازف الكونترباس المساحة الصوتية كملاءة لزملائه يضعون عليها أصوات آلاتهم يأكلها المستمعون المتفرجون أمثالي.. الدرامز و الساكسوفون علي علاقة وثيقة و ساحرة ببعضهم البعض فهم كرجال من النبلاء في عصر سحيق يتمتعون بمنتهي الفروسية. كل يعرف قدره.. و يلتزم به و لا يبغي علي دور الآخر في المعزوفة حتي تكون بهذه الروعة. 

        كعادتي.. أجلس علي أقرب طاولة للزجاج أو النافذة المطلة علي الخارج.. ربما لأني أريد كل مشهد من زجاج أو نافذة أن يكون جميلاً فقليلاً فعلاً أصادف مشهد لا يجذبني للنظر إليه .. لعلها كانت مرة أو مرتين. أحتسي قهوتي المركزة و أنا أذوب تماماً في المعزوفة التي تلعبها الفرقة الآن و هي واحدة من أجمل كلاسيكيات هذا النوع.. رائعة جون كولترين" My Favorite Things". كلما أسمعها تذكرني برائعة نجيب محفوظ "أولاد حارتنا". لعلني سمعت هذه الأغنية بينما أقرأ صفحات الرواية العظيمة التي تبلغ أكثر من خمسمائئة صفحة. بعد بلوغي الخامسة و العشرين من العمر، و بعدما تغربت عن بلدي ثلاث سنوات إلي الآن، أدرك أن الموسيقي هي بكل تأكيد أقوي محفز لذاكرتي.

        روكسان تفتح باب الحانة ببطء و تبتسم كعادتها لأول وجه قابلها للشخص الخارج من الحانة لحظتها.. و تدخل فتمشي في جلال ملكة و جذل طفلة صغيرة هي و صديقتها ذات الشعر الأسود الفاحم و المعطف البني و هي نفسها ترتدي بلوفر تركواز برقبة عالية تحت معطف كاكي طويل و حلقين مدورين كبيرين في أذنيها كشفت هي عنهما و عن رقبتها المرمرية و هي تدفع بأصابعها ناحية من شعرها إلي الوراء و هي متجهة ناحية طاولة في الركن المقابل لي من الحانة فكنت أنا علي يسار المسرح و هي علي يمينه و قد اختارت هي و زميلتها الطاولة بجانب النافذه أيضاً.. السبب الوحيد الذي يجعل روكسان تدخل الحانة هذه بالذات في هذا الوقت هي أنها محبة للجاز مثلي و أرادت أن تستمتع بالعرض الحي للفرقة في ليلة سبت رائعة كهذه رغم الثلوج المنهمرة بالخارج..

سيجارتي في يدي تبعث بالدخان في وجهي و عيني لكني لا أبالي أنظر ناحيتها أتابعها و لا أصدق نفسي كيف حدث هذا.. لم تكن الإحتمالات ضئيلة فهذه الحانة هي الوحيدة القريبة من الحرم الجامعي لجامعة ليون التي تعزف بها فرق الجاز ليلتي الجمعة و السبت.. المصادفة الحقيقية هنا أنها جاءت مثلي لكي تحضر عرض الجاز الحي رغم الثلوج و برودة الجو.. إذن هي تعشق الجاز مثلي. جلست فوضعت حقيبتها علي الطاولة و تزحزحت لتكون بالقرب من النافذة .. ربما لتنظر خارجها مثلي علي الشوارع المغطاة بالثلوج المضاءة بالضوء البرتقالي الجميل. 

    هي لم ترني بعد.. لم تكن المسافة بيننا كبيرة لعلها أربع أو خمس أمتار.. و أحمد الله فقد وهبني نظر من حديد يؤهلني للتقدم لكلية الطيران إن أردت.. لم ترني بعد.. لا تغادرها ناظري إلا فقط لكي أرمش.. لم ترني بعد.. بدأت الحديث مع صديقتها علي يسارها فتبتسم و تضحك و تمسك خصلات شعرها الذهبي و تلعب به أمام فمها ثم تضعه خلف أذنها.. رأتني!! بسرعة انشغلت بسيجارتي و نظرت ليساري خارج النافذة لكني في الحقيقة كنت أبحث عنها في الانعكاس علي النافذة.. حسناً سأظل أنظرخارج النافذة و أسمع الفرقة لبضع دقائق  حتي تنسي وجودي أصلاً.. سحبت آخر نفس من السيجارة ثم التفت و نظرت ناحيتها.. تنظر لي في عيني مباشرة بابتسامة ذات معني.. نعم هي تتذكرني..  تبتسم ثم تنظر لتحت في خجل.. لازلت أنظر إليها أنتظر أن ترفع رأسها مجدداً.. ترفع رأسها و تنظر لي و كأنها قد اتخذت القرار فيم تريد أن تبعثه لي بنظراتها.

      تتبسم لي.. تغلق عينيها للحظة و تخفض رأسها قليلاً ثم ترفعها واضعة كفيها معاً في حركة تشبه الإعتذار.. ثم ثبتت نظرها بإتسامة. إبتسمت لها و خفضت رأسي قبولاً لإعتذارها الرقيق. و كأنما أعجبتنا اللعبة الطفولية في النظرات و التسبيل فلم أطلب منها أن تأتي لتجلس معي و لا هي جاءت. كأننا نجرب أن نبعث بما يعتمل بنا فقط بالنظرة و الإشارات. 
 
    أحببنا لعبتنا الصبيانية بشدة فتجاهلت صديقتها تماماً و التفتت بجسدها كله ناحيتي و أنا تركت سجائري و شرابي و التفت لها. استمتعنا فقط بالنظر لبعضنا البعض و الإبتسام.. لم نعلم ماذا تريد أن تقوله ألسنتنا فنقوله بأعيننا لكن لم يوقف هذا عينانا عن الحديث الصامت. بدأت الفرقة في عزف" Embraceable you" لتشارلي باركر .. لكل من يعشق الجاز مثلي.. ترسم بداية هذه المعزوفة بالصوت فقط، صورة رجل يلاطف امرأة بكل رقة من بعيد ثم ينزل علي ركبة واحدة و يحتضن يدها و يطلب منها أن تراقصه فتنزل من عليائها أمام بساطته و تقف فيقف فيضمها فيراقصها .. و بالقرب من نهاية المعزوفة يصفق الجمهور الحي للعازفين في الأغنية الأصلية و كأنهم يصفقون لجمال الرقصة فيبتعد هو بخطوتين عنها و يبسط يده ناحيتها و كأنه يقول أن جمال الرقصة في الحقيقة هو جمالها هي. 

    أفيق من خيالاتي بعد انتهاء الأغنية و تصفيق جميع من كان بحانة برنارد إلا أنا و روكسان .. فوجدتها مغمضة العينين ترتسم علي شفتيها ابتسامة من رأت ما رأيته للتو.. تفتح عينيها فتقابلهما عيناي.. و كأني أسألها.. هل؟

علت وجهها أكبر ابتسامة ثم أومأت برأسها.. نعم نعم! .. وقفنا في نفس اللحظة و تقدمنا خطوة خطوة تجاه بعضنا حتي تقابلنا فوقفت ووقفت.. اقتربت روكسان و دنت من أذني أحس بنفسها الساخن علي خدي."نعم" همست روكسان.. فاقتربت أيضاً من أذنها فقدر لي شم عطر روكسان المغرق في العذوبة و همست:" شكراً علي هذه الرقصة سيدتي".

 نهاية الفصل الثاني

روكسان :الفصل الأول

روكسان..
احتضنتك فقبلني عطرك.. و أحسست بذقنك علي رقبتي و لمست يداي ظهرك فكأني لمست قطعة من الجنة طرية ليست نحيفة ولا بدينة فقط طرية فملأت يدي منك و قبلت عطرك و خدي يلامس خدك و انت تغوصين بين ذراعاي.. تزيد آشعة الشمس من جمال الذهب في شعرك و تزيد من خضرة و سحر عيناك اللتي كانت تثقبا روحي.. ناعمة انت لا أدري كيف لا تجرحين. كيف لا تكسرين.. و إن كسرتِ فكيف بحق الله تجبرين؟ 

 اسمك اسم اميرة أو ملكة و هو كذلك فزوجة داريوس ملك الفرس اللتي صارت زوجة الاسكندر الاكبر كانت روكسان.. لكني لا اظنك تشبهينها. فبالتأكيد هي كانت سمراء بشعر أسود فاحم و عيون كحلاء نجلاء.. جميلة أكيد لكن حبيبتي هي لا تكاد تقترب منك..

    أتذكر يوم التقينا كنت في مكتبة ليون العامة متعرق و نظارتي تنزل عن عيناي و أنا منهك و متأخر في بحثي.. لم تذق عيناي النوم ليومين فآخر ميعاد لتسليم بحثي عن أدب بودلير غداً.. ثم أراكي.. لعلك كنت تجلسين في نفس المكان لساعات و لعلك جئت الآن فقط.. أما إذا كنت قد جئت من فترة فبالتأكيد مسكتِ نفسكِ عن الضحك فأنا أقلب في الكتب كالمجنون و أقوم أبحث في الأرفف و أعود.. فأخبط علي الطاولة برفق و أخبط علي جبهتي و أشتم بالعربية التي تأكدت و أنا داخل إلي المكتبة أن لا أحد هنا له الملامح ليتحدث بها.. بالطبع حكم في غاية السطحية أُخذ في عجلة.. لكن رغم كل هذا لم أبالي. ربما بودلير لا يريدني أن أعرف عن هذا الجزء المعين من حياته!

    ثم تقع عيناي عليها.. يا إلهي وضعت كل هذا القدر من الجمال و الرقة  في امرأة واحدة جالسة علي كرسي واحد من المكتبة و جعلت هذا الكرسي علي نفس طاولتي.. تخفف عني تعب ثماني أشهر كاملة و يومين بلا نوم و بكثير من القهوة و بعض الحبوب المنشطة. رفعت رأسي فجأة فوقعت عدساتي عن أنفي فضحكت برقة و بصوت خفيض واضعة أصابعها اللتي تزينها أظافرها الطويلة الملونة علي شفتيها. للحظة نسيت ما أنا جالس هنا لأجله.. نسيت بودلير الأحمق و نسيت مونسيور بياف و جارته الشمطاء.. تركت عدساتي علي الطاولة و أغلقت كتابي و أخرجت منديلي أمسح جبهتي من العرق.. أفعل كل هذا و أنا لا أرفع ناظري عنكِ.. أظن قلة النوم أفقدني عقلي أو إحساسي منكِ بالحرج فلم أنتهي عن النظر إليك.. أدرس كل بقعة منك كأنك لوحة فنية.. التعب أنساني كل حذري حتي وجدت لساني ينطق ب"من أنت؟".. كنت أريد أن أكمل و بأي حق تكوني بهذا الجمال ألا تعلمين أن بعضنا يحاول الحصول علي الماجستير في الأدب و بودلير إبن بلدك يعذبني لثماني شهور متواصلة أعرف الآن عنه أكتر من زوجته.. فمن أعطاكِ الحق في أن تكوني بهذا الجمال أمام الناس جميعا تلهيهم عن الفلاح في الدنيا.. كل هذا أردت أن أسأله بعد "من أنتِ؟"

" و انت مالك؟" تردين بابتسامة تكاد تنفجر إلي ضحكة مدوية كتمتيها بيدك .. و أنا مالي فعلاًً؟ أفاقني ردها من  السبات الذي كنت فيه. كانت ضحكتك يا روكسان صافية.. صادقة تشترك فيها جبهتك مع خدودك الوردية مع شفتاك اللتان انفرجا عن صف منظم من الاسنان الامعة البيضاء و سنة مكسورة في المنتصف، لم أري في حياتي سنة مكسورة تعطي فتاة هذه الابتسامة الرقيقة المغرقة في الدلال.

      لما أحرجني ردك عدت إلي بحثي و جحيمي أحاول عبثاً أن أنشغل بمئات الأوراق اللتي فرشتها أمامي لكن كل ثانيتين أرفع عيني و كأنها أدمنت النظر إليك. أغصبها أن تنظر في الورق فتعصي أمري و تنهل من عينيك ثم من قميصك الناعم المخملي الذي يزيدك أنوثة فوق أنوثة عندما تنسدل علي كتفيك حرائر ذهب شعرك. لا.. لا يحق لك أنت تكوني بهذا الجمال في هذا الوقت بالذات تباً لك يا حبيبتي تظلمينني و تكرسين عيناي إليك فلا أملك السيطرة عليها.

لملمت أوراقي في غضب واضح و ليس بالترتيب الصحيح حتي ووضعتهم في حقيبتي الجلدية البالية اللتي قد ابتعتها قبل سفري منذ ٣ سنوات من الأزبكية.. لا أدري هل لأني أحب هذه الحقيبة أو لأني لم أملك المال اللازم لرفاهية كتغيير حقيبتي اللتي لازالت تعمل ما هو المفروض عليها عمله.. و هو أن تحمل أوراقي. غادرت بسرعة قاطب الحاجبين و أنفي تنفث من الغضب ناراً و لم أُعد حتي الكرسي لمكانه. دفعت باب المكتبة بعنف فصفعتني برودة الجو في ليون في ذلك الوقت و ذكرتني أن أضع الجاكت الذي كنت أحمله علي يدي.. دعكت أنفي عدة مرات كما علمني أبي أن أفعل عندما أكون في جو ساخن ثم أخرج لجو بارد.. اتجهت لأقرب مقهي.. لا أذكر اسمه و جلست أهدئ من روعي. كيف اندفعت بالسؤال بهذه الطريقة و أنا لا أحتمل ثانية واحدة مشتتاً.


     جلست علي الطاولة الملصقة في الزجاج المطل مباشرة علي الشارع.. ولعت سيجارة و نفثت دخانها ببطء ، ثم انفجرت ضاحكاً علي نفسي كيف جعلت من نفسي أضحوكة. طلبت كابتشينو و جلست أراقب الشارع و أدخن سيجارتي.. هدأت من منظر الشارع لأنها قد بدأت تمطر فقل عدد المارة جداً و بدا الشارع، الخالي معظم الوقت من السيارات، هادئاً جميلاً كأن السماء بعثت بهذا المطر إلي حتي تصلح ما عبثتي به يا سيدتي. اشتد انهمار المطر علي أسفلت الشارع و علا صوته. كان الوقت في آخر لحظات الغروب و بضع دقائق و يبدأ الجزء المفضل لي في اليوم لأني كائن ليلي إلي أبعد الحدود. غسل المطر أرض الشارع و سارع في الإنحدار إلي أقرب بالوعة فلم تتجمع مياه المطر بل اختفت فتركت الشارع بالكاد مبتلا كفتاة للتو خرجت من الحمام بعد أن غسلت شعرها و صارت أجمل.


     أتذكر ذلك اليوم و كأنه كان البارحة فتحمر وجنتاي خجلاً من نفسي.. لا أدري كيف أنجزت هذا البحث عن بودلير في اليومين المتبقيين.. ربما بعد أن حبست نفسي في السكن الجامعي في جامعة ليون و بعد أن استهلكت ما يقارب الاثنين و عشرين كوباً من القهوة.  

     أجلس الآن في الركن القصي من نادي الجاز الشهير في شيكاجو Killer joe.. أرشف كوب الكابتشينو و أدخن سيجارتي و أتابع الفرقة و هي تعزف معزوفة بيني جولسون الشهيرة Yesterdays.  لطالما سمعت هذه الأغنية و أنا أقرأ كتاباً بينما أجلس علي أرجوحة في باحة المنزل الأمامية و بين الحين و الآخر أستمتع بمنظر الأشجار الساكنة في مكانها منذ سنوات عديدة و السكون الذي قد تقاطعه مرور سيارة جاري مستر واتسون أو زوجته إلي أو خارج الجراج المخصص له. 

      أنظر خارج زجاج النادي، إنه شهر يناير، و الثلج ينهمر بقوة في الخارج علي الأسفلت و الأشجار المجاورة فأحس بالبرد رغم دفء المكان الذي أجلس فيه سواء بالتكييف المركزي أو بأغنيتي المفضلة Yesterdays. في ليلة كهذه يا حبيبتي و مكان كهذا كان لقاءنا الثاني...
                                                       نهاية أول فصل...


      
          
             

Monday, December 15, 2014

أوراق السيدة "ل" -الجزء الأول

نظر في ساعته وأمسك ياقة معطفه من شدة البرد و هو ينتظر أمام باب الفندق ينتظرها.. ليلة اكتمل فيها القمر فأحس بجمالها من أولها. الشارع مبتل من الأمطار التي توقفت عن السقوط منذ ساعة فقط في المدينة الإيطالية باليرمو. ينتظرها منذ دقائق فمرت كالساعات و هو يري الرجال في معاطفهم الثقيلة و السيدات في فساتينهم الجميلة و معاطفهم. ينظر للسماء.. و يبتسم. هل يحدث هذا بالفعل؟ هل يحدث ما قد حلما به و تخيلاه بكل تفاصيله ثانية بثانية الليلة؟ هذة الليلة؟ هل ستكون الليلة بنفس جمالها في مخيلتهم. لم يشك لحظة أن الليلة سوف تأتي و يصطحبها لأضخم حفل موسيقي للفنان ياني في باليرمو. هذه السمراء بشعرها الفاحم العابر كتفيها المسدل علي ظهرها و العود المنحوت و الإبتسامة التي تكشف عن صفين من اللؤلؤ الناصع و الأنف الدقيقة كحبات الرمان. مر الوقت طويلاً  و لكن الإبتسامة لم تفارق شفتيه..  لم تفارق عينيه..لم تفارق حتي قلبه. الشارع مضاء ببضعة أعمدة نور تشع باللون البرتقالي الذي يعشقه و طالما كان النور المفضل لمخيلته ليكون الإضاءة المفضلة لكل أحلامه.

لم يدر في الحقيقة إن كان القمر قد هبط إليه من علٍ أم ما كان ينتظره قد حدث بالفعل. وقف ثابتاً في مكانه و يديه في جيوب بنطلونه.. لم يرد أن يظهر لها أنه يهتز من داخله و يرتعش و يشتعل و يلتهب فرحاً و شوقاً لها بعد هذه السنوات من غيابها عليه.. لكنه لم يقدر علي أن يحبس دموعه التي اغرورقت بها عيناه فعلم أنها عرفت ما يعتمل به فلم يشغل باله بإخفاء ما يشعر به بل أخرج يديه من جيبه و احتضنت يده يداها.. نظر في عينيها التي سال منها الدمع فرأي سنين غيابه عليها في هذه اللحظة. مسح دمعه بسرعة ثم مد يديه في جيبه فسحب منديله و برفق شديد مسح دمعها من علي خديها فقط حتي لا يفسد كحل عينيها.
لم يحب أن يتكلم في هذه اللحظة.. هذه اللحظة التي انتظروها منذ سنين لم يحب أن يجعلها محدودة فقط ببضعة حروف تصنع الكلمات فتبني جملاً تعني شيئاً واحداً أو ربما شيئان.. أراد أن يترك هذه اللحظة لعينيهما تتحدث.. فالعين تتكلم أحسن و تشرح أعمق و توصل الرسالة أسرع. لم تفتح فاها لتتكلم هي أيضاً كأنما فهمت تماماً ما كان يريد قوله بدون حاجته لأن يقوله.. لا يدري لعلها كانت خمس دقائق كاملة ظلت تنظر إليه و ينظر إليها تريد أن تشبع منه و هو يريد أن يشبع فيفشلا ثم ينظرا إلي الأرض في وقت واحد.. ما هي الكلمات التي تقال في هذا الوقت؟ الكلمات محدودة جداً و ضعيفة فعلاً حتي تستخدم للتعبير عن موقف كهذا. كما تخيلها تماماً.. ارتدت الفستان الأسود الطويل و علي صدرها عقد فضي لامع و يتعلق من أذنيها قرطان فضةمتدليين كما يحبهما تماماً. شعرها الأسود اللامع صففته فجمعت خصلة من اليمين مع خصلة من اليسار وراء رأسها و فلقت شعرها من المنتصف فكانت شبيهة ملكات الإسبان في الأندلس المفقود.


    تأبطت ذراعه فضم ذراعها إلي جنبه أكثر ليقربها منه.. كم وحشته هذه الفتاة.. لم يقدر علي التفكير بعدما ذاب عقله و ذهب في عطرها.. نفس العطر الذي كانت تضعه منذ سنين و كأنها تذكره.. لم يقدر علي إنزال عينيه من عليها و لم تقدر هي علي عدم الإبتسام.. مشيا في الشارع المبتل فكان يساعدها علي تفادي المياه و قد ارتدت كعب عالي قربها إلي طوله سبع سنتيمترات تقريباً.. هناك لاحت لهما سيارته فاقتربا و ضغط علي زر الفتح في الريموت كنترول ثم أسرع ففتح لها الباب الخلفي أن" اسمحيلي حبيبتي أن أكون سائقك اليلة" ..ابتسمت له و أغلقت الباب ففتحت الباب الأمامي أن " حبيبي مكاني الأصلي بجوارك الليلة".. انتظر حتي دخلت فأشار لها علي طرف فستانها حتي تبعده عن مجري الباب فابتسمت و أبعدته فابتسم لها و أغلق الباب. ركب و هي في الكرسي بجواره و الأبواب و النوافذ مغلقة. لحظة صمت طويلة.. اعتدل في الكرسي ناحية اليمين و نظر إليها.. و هي اعتدلت أيضاً.. لم تقدر علي الإبتسام أكثر من ذلك.. أخذت يده في يدها و ضغطت بإبهامها في منتصف راحة يده..ارتخت أصابعه و زفر بحرارة و نظر لها و ابتسم..

   أقل ما يقال عن حفلة ياني و أوبرا باليرمو أنها كانت خرافية.. تلك و تلك.. جلسا في الطابق الثاني علي يسار المسرح.. و استمعا لياني و فرقته من أفضل عازفي العالم في كل الآلات الموسيقية يعزفوا علي أوتار ليلتهم الخيالية التي لا يعدوها من بقية الأيام لأنها بالتأكيد كمثل أي ليلة. ليلة تآمر الكون كله حتي تحدث في هذه المدينة و هذا اليوم و بهذا الجمال.. تآمر الكون كله حتي لا تتغير حبائل ما بينهم.. و ما كان بينهم.. هذه الخيوط الصغيرة التي نسجتهم و امتدت منها خيوط أصغر فعقدتهم.. قدر لها ألا تنحل و لا تحرقها الفرقة الطويلة.. لطالما أخبرها أنه إذا تخيلوا كل تفاصيل هذه الليلة أن الليلة ستأتي.. الأوبرا الضخمة تبهرهم و الموسيقي تطربهم و هي بقربه فكان ينظر إليها ليبتسم فكانت تلفحه جزيئات عطرها المتعلقة حولها في الهواء.. 

جلسا علي دكة تحت عامود نور يشع بالضوء الأبيض و يترك ما هو أبعد مظلماً.. جلست بجواره يتأملا جمال صفحة النهر المتلألأة بانعكاس الأنوار عليها.. البرد يدغدغ حواسهما و الموسيقي مازالت تطربهما و هما مازالا يبتسما و يراقبا صفحة النهر الرائقة..قام فقامت.. ضيقت عينيها و قطبت جبهتها و ضمت ذراعيها إلي كتفيها من البرد.. فتبسم و خلع معطفه و أعطاه لها فضحكت و أخذته فارتدته.. فضيق عينيه و ضم ذراعيه تظاهراً بالبرد فضحكت ضحكة عالية و هزت رأسها نفياً " هذا لي الليلة حبيبي" ثم فتحت المعطف و هو عليها و اقتربت برأسها و تنفست بعمق و ابتسمت له فضحك.. أخذ ذراعها لكي يضعه تحت ذراعه و تمشيا و لم تنسهما هذه الليلة.. فلم ينسوها..

Friday, July 18, 2014

الناظر

  عندما كنت في مدرسة كاثوليك الثانوية كان مستر سترايزلي مدير المدرسة بوجهه الأبيض المائل للحمرة ( كان ألمانياً الأصل) و شعره الأشقر و سالفيه المحلوقين حتي أذنيه، ككل طلبة كاثوليك هاي، يطل علينا من شاشة التليفزيون الداخلية للمدرسة التي كانت موجودة في كل غرفة درس ليتلي علينا كل صباح الآتي: تحية الولاء للعلم الأمريكي Pledge of Allegiance، و كان علي كل الطلبة الأمريكان الترديد وراءه، صلاة أبانا الذي في السماوات، و كان علي كل مسيحي الترديد وراءه أيضاً، ثم يبدأ بعد ذلك في إخبارنا بالأطعمة الموجودة في الكافيتيريا علي الغداء، و إذاعة أي أخبار أو فعاليات لهذا اليوم في المدرسة، ثم بالطبع ذكر أسماء من كانت أعياد ميلادهم في هذا اليوم. 

  كنا نتابع ذلك كل صباح من خلال شاشات التليفزيون الموجودة في كل غرفة رئيسية. الغرفة الرئيسية هي التي ينتمي لها كل طالب و يجب أن يحضر إليها كل صباح ليكتب حاضر في المدرسة، و هي نفس المكان الذي نأخذ فيه حصة الدين المسيحي و دراسة الإنجيل.

  مرة خرج مستر سترايزلي ليهنأنا بفوز فريق المدرسة العظيم لكرة القدم الأمريكية، فريق الRockets، و ليخبرنا بشيء آخر. وجدته يقول في مرة:" يجب علي كل طالب في كاثوليك هاي تحية جيك تشايس الذي قد مزق كتفه في التمرين و كان يتألم بشدة لكنه ابتلع كل هذا الألم بكل رجولة و لعب في المباراة الليلة الماضية، يجب أن تحيوا هذه الرجولة من زميلكم، و يجب علي كل طالب منكم التحلي بمثل هذه الرجولة، فإن أصيب أحد منكم ببعض البرد فلا يقول لا أقدر علي الحضور للمدرسة أو لا أقدر علي المذاكرة، يجب عليه أن يبتلع كل هذا كما فعل زميلكم جيك تشايس". جيك كان معي في غرفتي الرئيسية و كلنا صفقنا له و أصدرنا الكثير من الohh و الYeah تحية له. 

  يعلمني ما رأيته الكثير عن كيف يستطيع قائد كمدير المدرسة تشجيع سلوك و ذم سلوك آخر. كيف استطاع إجلال قيمة من القيم عن طريق تكريم زميل لنا يجلس في نفس مقاعدنا  بهذه الطريقة الرائعة. كلنا وددنا لو كنا في مكان جيك في هذا اليوم لنكرم بهذه الطريقة الجميلة، و أكيد جيك بعدها لم ينس ذلك و ظل يتحلي بهذه القدرة علي الإحتمال بهذه الرجولة. 

  في يومٍ آخر ألقي مستر سترايزلي إلينا بتحذير صارم: "سيرفد كل من يتشاجر في حرم المدرسة و كل من يُري حتي واقفاً ليشاهد المشاجرة، لأن لا مشاجرة تكتمل إلا بدون مشاهدين، أكرر سيرفد كل من يشارك في مشاجرة و كل من يقف ليتفرج، و لا يوجد مجال للتسامح." هذا القائد لم يحذر فقط أصحاب المشكلة الرئيسيين و لكن حذر أيضاً كل من يشارك و لو بالسلب في حدوث المشكلة. الموضوع في غاية البساطة. لم أتذكر أني شهدت مشاجرة واحدة بعدها في المدرسة، علي الرغم من أن الشجار في المدارس الأمريكية ووجود متفرجين و مشجعين له هو المعتاد، لكن ليس في إدارة مستر سترايزلي، ليس تحت سقف كاثوليك هاي.

    في صباح آخر وجدناه يقول أن زميل من زملائنا يريد أن يقول شيئاً. وجدنا زميل لنا نعرفه كلنا يجلس مكان مستر سترايزلي و يقول في ندم:" أنا چون و أنا تعودت علي تنمر زملائي الأضعف مني و أنا شديد الندم علي ذلك، و أنا أعتذر علي ذلك من كل طالب في كاثوليك هاي، أنا متنمر و أعتذر عن ذلك" جعله مستر سترايزلي يقول ذلك أمام المدرسة كلها بسبب مضايقاته المتكرره لزملائه الأصغر و ما كان يتسبب من ذلك من كره هؤلاء الطلبة للمدرسة و مشاكل نفسية أخري. هذا التصرف من ذلك القائد، و الذي يشبه كثيراً التجريس في كثير من القري المصرية بتركيب المتجرس حمار بالمقلوب و زفه في القرية كلها بأغاني مهينة له و لفعلته، يحق الحق و يذم ما يجب ذمه و يتخلص من كل ما هو ردئ في الجماعة و يستأصله تماماً. 

" ريتشارد تشيك زميلكم وجد خمسة دولارات علي الأرض و سلمهم للإدارة، ريتشارد رجل أمين و صادق" 
 
  المناداة بوجود أخلاق و قيم رفيعة في المجتمع شيء سهل، لكن الأصعب هو غرز هذه القيم في عقول
 مراهقين في الثانوية، و هو سن التكوين العقلي الأخطر علي الإطلاق. هذه القيم هي نفسها التي كانت موجودة في مصر حتي ستينات القرن الماضي و رحلت عنا مع رحيل المعلمين و القادة، و الأهم، رحيل الآدمية.

كل احترامي لستيف سترايزلي مدير مدرسة كاثوليك هاي في ليتل روك ولاية أركنساس الجنوبية. ستيف سترايزلي القائد و الأب و المعلم.