روكسان..
احتضنتك فقبلني عطرك.. و أحسست بذقنك علي رقبتي و لمست يداي ظهرك فكأني لمست قطعة من الجنة طرية ليست نحيفة ولا بدينة فقط طرية فملأت يدي منك و قبلت عطرك و خدي يلامس خدك و انت تغوصين بين ذراعاي.. تزيد آشعة الشمس من جمال الذهب في شعرك و تزيد من خضرة و سحر عيناك اللتي كانت تثقبا روحي.. ناعمة انت لا أدري كيف لا تجرحين. كيف لا تكسرين.. و إن كسرتِ فكيف بحق الله تجبرين؟
اسمك اسم اميرة أو ملكة و هو كذلك فزوجة داريوس ملك الفرس اللتي صارت زوجة الاسكندر الاكبر كانت روكسان.. لكني لا اظنك تشبهينها. فبالتأكيد هي كانت سمراء بشعر أسود فاحم و عيون كحلاء نجلاء.. جميلة أكيد لكن حبيبتي هي لا تكاد تقترب منك..
أتذكر يوم التقينا كنت في مكتبة ليون العامة متعرق و نظارتي تنزل عن عيناي و أنا منهك و متأخر في بحثي.. لم تذق عيناي النوم ليومين فآخر ميعاد لتسليم بحثي عن أدب بودلير غداً.. ثم أراكي.. لعلك كنت تجلسين في نفس المكان لساعات و لعلك جئت الآن فقط.. أما إذا كنت قد جئت من فترة فبالتأكيد مسكتِ نفسكِ عن الضحك فأنا أقلب في الكتب كالمجنون و أقوم أبحث في الأرفف و أعود.. فأخبط علي الطاولة برفق و أخبط علي جبهتي و أشتم بالعربية التي تأكدت و أنا داخل إلي المكتبة أن لا أحد هنا له الملامح ليتحدث بها.. بالطبع حكم في غاية السطحية أُخذ في عجلة.. لكن رغم كل هذا لم أبالي. ربما بودلير لا يريدني أن أعرف عن هذا الجزء المعين من حياته!
ثم تقع عيناي عليها.. يا إلهي وضعت كل هذا القدر من الجمال و الرقة في امرأة واحدة جالسة علي كرسي واحد من المكتبة و جعلت هذا الكرسي علي نفس طاولتي.. تخفف عني تعب ثماني أشهر كاملة و يومين بلا نوم و بكثير من القهوة و بعض الحبوب المنشطة. رفعت رأسي فجأة فوقعت عدساتي عن أنفي فضحكت برقة و بصوت خفيض واضعة أصابعها اللتي تزينها أظافرها الطويلة الملونة علي شفتيها. للحظة نسيت ما أنا جالس هنا لأجله.. نسيت بودلير الأحمق و نسيت مونسيور بياف و جارته الشمطاء.. تركت عدساتي علي الطاولة و أغلقت كتابي و أخرجت منديلي أمسح جبهتي من العرق.. أفعل كل هذا و أنا لا أرفع ناظري عنكِ.. أظن قلة النوم أفقدني عقلي أو إحساسي منكِ بالحرج فلم أنتهي عن النظر إليك.. أدرس كل بقعة منك كأنك لوحة فنية.. التعب أنساني كل حذري حتي وجدت لساني ينطق ب"من أنت؟".. كنت أريد أن أكمل و بأي حق تكوني بهذا الجمال ألا تعلمين أن بعضنا يحاول الحصول علي الماجستير في الأدب و بودلير إبن بلدك يعذبني لثماني شهور متواصلة أعرف الآن عنه أكتر من زوجته.. فمن أعطاكِ الحق في أن تكوني بهذا الجمال أمام الناس جميعا تلهيهم عن الفلاح في الدنيا.. كل هذا أردت أن أسأله بعد "من أنتِ؟"
" و انت مالك؟" تردين بابتسامة تكاد تنفجر إلي ضحكة مدوية كتمتيها بيدك .. و أنا مالي فعلاًً؟ أفاقني ردها من السبات الذي كنت فيه. كانت ضحكتك يا روكسان صافية.. صادقة تشترك فيها جبهتك مع خدودك الوردية مع شفتاك اللتان انفرجا عن صف منظم من الاسنان الامعة البيضاء و سنة مكسورة في المنتصف، لم أري في حياتي سنة مكسورة تعطي فتاة هذه الابتسامة الرقيقة المغرقة في الدلال.
لما أحرجني ردك عدت إلي بحثي و جحيمي أحاول عبثاً أن أنشغل بمئات الأوراق اللتي فرشتها أمامي لكن كل ثانيتين أرفع عيني و كأنها أدمنت النظر إليك. أغصبها أن تنظر في الورق فتعصي أمري و تنهل من عينيك ثم من قميصك الناعم المخملي الذي يزيدك أنوثة فوق أنوثة عندما تنسدل علي كتفيك حرائر ذهب شعرك. لا.. لا يحق لك أنت تكوني بهذا الجمال في هذا الوقت بالذات تباً لك يا حبيبتي تظلمينني و تكرسين عيناي إليك فلا أملك السيطرة عليها.
لملمت أوراقي في غضب واضح و ليس بالترتيب الصحيح حتي ووضعتهم في حقيبتي الجلدية البالية اللتي قد ابتعتها قبل سفري منذ ٣ سنوات من الأزبكية.. لا أدري هل لأني أحب هذه الحقيبة أو لأني لم أملك المال اللازم لرفاهية كتغيير حقيبتي اللتي لازالت تعمل ما هو المفروض عليها عمله.. و هو أن تحمل أوراقي. غادرت بسرعة قاطب الحاجبين و أنفي تنفث من الغضب ناراً و لم أُعد حتي الكرسي لمكانه. دفعت باب المكتبة بعنف فصفعتني برودة الجو في ليون في ذلك الوقت و ذكرتني أن أضع الجاكت الذي كنت أحمله علي يدي.. دعكت أنفي عدة مرات كما علمني أبي أن أفعل عندما أكون في جو ساخن ثم أخرج لجو بارد.. اتجهت لأقرب مقهي.. لا أذكر اسمه و جلست أهدئ من روعي. كيف اندفعت بالسؤال بهذه الطريقة و أنا لا أحتمل ثانية واحدة مشتتاً.
جلست علي الطاولة الملصقة في الزجاج المطل مباشرة علي الشارع.. ولعت سيجارة و نفثت دخانها ببطء ، ثم انفجرت ضاحكاً علي نفسي كيف جعلت من نفسي أضحوكة. طلبت كابتشينو و جلست أراقب الشارع و أدخن سيجارتي.. هدأت من منظر الشارع لأنها قد بدأت تمطر فقل عدد المارة جداً و بدا الشارع، الخالي معظم الوقت من السيارات، هادئاً جميلاً كأن السماء بعثت بهذا المطر إلي حتي تصلح ما عبثتي به يا سيدتي. اشتد انهمار المطر علي أسفلت الشارع و علا صوته. كان الوقت في آخر لحظات الغروب و بضع دقائق و يبدأ الجزء المفضل لي في اليوم لأني كائن ليلي إلي أبعد الحدود. غسل المطر أرض الشارع و سارع في الإنحدار إلي أقرب بالوعة فلم تتجمع مياه المطر بل اختفت فتركت الشارع بالكاد مبتلا كفتاة للتو خرجت من الحمام بعد أن غسلت شعرها و صارت أجمل.
أتذكر ذلك اليوم و كأنه كان البارحة فتحمر وجنتاي خجلاً من نفسي.. لا أدري كيف أنجزت هذا البحث عن بودلير في اليومين المتبقيين.. ربما بعد أن حبست نفسي في السكن الجامعي في جامعة ليون و بعد أن استهلكت ما يقارب الاثنين و عشرين كوباً من القهوة.
أجلس الآن في الركن القصي من نادي الجاز الشهير في شيكاجو Killer joe.. أرشف كوب الكابتشينو و أدخن سيجارتي و أتابع الفرقة و هي تعزف معزوفة بيني جولسون الشهيرة Yesterdays. لطالما سمعت هذه الأغنية و أنا أقرأ كتاباً بينما أجلس علي أرجوحة في باحة المنزل الأمامية و بين الحين و الآخر أستمتع بمنظر الأشجار الساكنة في مكانها منذ سنوات عديدة و السكون الذي قد تقاطعه مرور سيارة جاري مستر واتسون أو زوجته إلي أو خارج الجراج المخصص له.
أنظر خارج زجاج النادي، إنه شهر يناير، و الثلج ينهمر بقوة في الخارج علي الأسفلت و الأشجار المجاورة فأحس بالبرد رغم دفء المكان الذي أجلس فيه سواء بالتكييف المركزي أو بأغنيتي المفضلة Yesterdays. في ليلة كهذه يا حبيبتي و مكان كهذا كان لقاءنا الثاني...
نهاية أول فصل...
No comments:
Post a Comment