Tuesday, December 16, 2014

روكسان : الفصل الثاني

 روكسان الفصل الثاني..

     جلست في حانة " برنارد" في شرقي مدينة ليون و هي حانة مشهورة بحضور فرق الجاز للعزف في الحانة من الساعة الثامنة و حتي منتصف الليل كل يوم جمعة و سبت. معظم رواد الحانة هم من عشاق الجاز بكل أنواعه الهادئ و السريع و الناعم و البوسا نوفا. أردت أن أفرغ كل ما كان بي من ضغط عصبي و نفسي بعد أن سلمت بحثي عن بودلير و بعد الحادثة مع هذه الفتاة التي لا أعرف حتي إسمها حتي الآن. ريما لم تكن هي أجمل فتاة قد رأيتها لكنها ليست عادية. كأني رأيتها في حياة سابقة.. كأن عيناي لما رأيتها بعثت للمخ إشارة أن استخرج صورة من سحيق خلاياه عن هذه الفتاة و قد فعل.

    بالطبع لم يكن الخمر بالنسبة لي متاحاً، لا أحبه زائد أنه محرم.. علي الرغم من أني أدخن الحشيش كل حين و آخر و لا أحس بالذنب بعدها كثيراً.. و كلٌ يذهب العقل.. خلاصة القول.. لا أشرب. فقط أجلس في ركن قصيٍ من الحانة علي الطاولة الملاصقة للزجاج المطل علي شارع به أشجار باسقات و أعمدة إضاءة باللون الأصفر تتسم بالخفوت الناعم. أجلس في هذا المكان أشرب قهوتي أو الكابتشينو و أدخن سجائري بشراهة لا أعهدها إلا حين أكون في وسط العمل الدؤوب علي بحث أو بعد تسليمه، و بالطبع في الإمتحانات. و أتفرج علي الفرقة و هي تعزف الجاز فأرتعش رغم الجاكت الثقيل جداً الذي أرتديه فأنا أرتعش من شدة رقة و جمال هذا الفن الذي يغزله هؤلاء الفنانون. يفرش عازف الكونترباس المساحة الصوتية كملاءة لزملائه يضعون عليها أصوات آلاتهم يأكلها المستمعون المتفرجون أمثالي.. الدرامز و الساكسوفون علي علاقة وثيقة و ساحرة ببعضهم البعض فهم كرجال من النبلاء في عصر سحيق يتمتعون بمنتهي الفروسية. كل يعرف قدره.. و يلتزم به و لا يبغي علي دور الآخر في المعزوفة حتي تكون بهذه الروعة. 

        كعادتي.. أجلس علي أقرب طاولة للزجاج أو النافذة المطلة علي الخارج.. ربما لأني أريد كل مشهد من زجاج أو نافذة أن يكون جميلاً فقليلاً فعلاً أصادف مشهد لا يجذبني للنظر إليه .. لعلها كانت مرة أو مرتين. أحتسي قهوتي المركزة و أنا أذوب تماماً في المعزوفة التي تلعبها الفرقة الآن و هي واحدة من أجمل كلاسيكيات هذا النوع.. رائعة جون كولترين" My Favorite Things". كلما أسمعها تذكرني برائعة نجيب محفوظ "أولاد حارتنا". لعلني سمعت هذه الأغنية بينما أقرأ صفحات الرواية العظيمة التي تبلغ أكثر من خمسمائئة صفحة. بعد بلوغي الخامسة و العشرين من العمر، و بعدما تغربت عن بلدي ثلاث سنوات إلي الآن، أدرك أن الموسيقي هي بكل تأكيد أقوي محفز لذاكرتي.

        روكسان تفتح باب الحانة ببطء و تبتسم كعادتها لأول وجه قابلها للشخص الخارج من الحانة لحظتها.. و تدخل فتمشي في جلال ملكة و جذل طفلة صغيرة هي و صديقتها ذات الشعر الأسود الفاحم و المعطف البني و هي نفسها ترتدي بلوفر تركواز برقبة عالية تحت معطف كاكي طويل و حلقين مدورين كبيرين في أذنيها كشفت هي عنهما و عن رقبتها المرمرية و هي تدفع بأصابعها ناحية من شعرها إلي الوراء و هي متجهة ناحية طاولة في الركن المقابل لي من الحانة فكنت أنا علي يسار المسرح و هي علي يمينه و قد اختارت هي و زميلتها الطاولة بجانب النافذه أيضاً.. السبب الوحيد الذي يجعل روكسان تدخل الحانة هذه بالذات في هذا الوقت هي أنها محبة للجاز مثلي و أرادت أن تستمتع بالعرض الحي للفرقة في ليلة سبت رائعة كهذه رغم الثلوج المنهمرة بالخارج..

سيجارتي في يدي تبعث بالدخان في وجهي و عيني لكني لا أبالي أنظر ناحيتها أتابعها و لا أصدق نفسي كيف حدث هذا.. لم تكن الإحتمالات ضئيلة فهذه الحانة هي الوحيدة القريبة من الحرم الجامعي لجامعة ليون التي تعزف بها فرق الجاز ليلتي الجمعة و السبت.. المصادفة الحقيقية هنا أنها جاءت مثلي لكي تحضر عرض الجاز الحي رغم الثلوج و برودة الجو.. إذن هي تعشق الجاز مثلي. جلست فوضعت حقيبتها علي الطاولة و تزحزحت لتكون بالقرب من النافذة .. ربما لتنظر خارجها مثلي علي الشوارع المغطاة بالثلوج المضاءة بالضوء البرتقالي الجميل. 

    هي لم ترني بعد.. لم تكن المسافة بيننا كبيرة لعلها أربع أو خمس أمتار.. و أحمد الله فقد وهبني نظر من حديد يؤهلني للتقدم لكلية الطيران إن أردت.. لم ترني بعد.. لا تغادرها ناظري إلا فقط لكي أرمش.. لم ترني بعد.. بدأت الحديث مع صديقتها علي يسارها فتبتسم و تضحك و تمسك خصلات شعرها الذهبي و تلعب به أمام فمها ثم تضعه خلف أذنها.. رأتني!! بسرعة انشغلت بسيجارتي و نظرت ليساري خارج النافذة لكني في الحقيقة كنت أبحث عنها في الانعكاس علي النافذة.. حسناً سأظل أنظرخارج النافذة و أسمع الفرقة لبضع دقائق  حتي تنسي وجودي أصلاً.. سحبت آخر نفس من السيجارة ثم التفت و نظرت ناحيتها.. تنظر لي في عيني مباشرة بابتسامة ذات معني.. نعم هي تتذكرني..  تبتسم ثم تنظر لتحت في خجل.. لازلت أنظر إليها أنتظر أن ترفع رأسها مجدداً.. ترفع رأسها و تنظر لي و كأنها قد اتخذت القرار فيم تريد أن تبعثه لي بنظراتها.

      تتبسم لي.. تغلق عينيها للحظة و تخفض رأسها قليلاً ثم ترفعها واضعة كفيها معاً في حركة تشبه الإعتذار.. ثم ثبتت نظرها بإتسامة. إبتسمت لها و خفضت رأسي قبولاً لإعتذارها الرقيق. و كأنما أعجبتنا اللعبة الطفولية في النظرات و التسبيل فلم أطلب منها أن تأتي لتجلس معي و لا هي جاءت. كأننا نجرب أن نبعث بما يعتمل بنا فقط بالنظرة و الإشارات. 
 
    أحببنا لعبتنا الصبيانية بشدة فتجاهلت صديقتها تماماً و التفتت بجسدها كله ناحيتي و أنا تركت سجائري و شرابي و التفت لها. استمتعنا فقط بالنظر لبعضنا البعض و الإبتسام.. لم نعلم ماذا تريد أن تقوله ألسنتنا فنقوله بأعيننا لكن لم يوقف هذا عينانا عن الحديث الصامت. بدأت الفرقة في عزف" Embraceable you" لتشارلي باركر .. لكل من يعشق الجاز مثلي.. ترسم بداية هذه المعزوفة بالصوت فقط، صورة رجل يلاطف امرأة بكل رقة من بعيد ثم ينزل علي ركبة واحدة و يحتضن يدها و يطلب منها أن تراقصه فتنزل من عليائها أمام بساطته و تقف فيقف فيضمها فيراقصها .. و بالقرب من نهاية المعزوفة يصفق الجمهور الحي للعازفين في الأغنية الأصلية و كأنهم يصفقون لجمال الرقصة فيبتعد هو بخطوتين عنها و يبسط يده ناحيتها و كأنه يقول أن جمال الرقصة في الحقيقة هو جمالها هي. 

    أفيق من خيالاتي بعد انتهاء الأغنية و تصفيق جميع من كان بحانة برنارد إلا أنا و روكسان .. فوجدتها مغمضة العينين ترتسم علي شفتيها ابتسامة من رأت ما رأيته للتو.. تفتح عينيها فتقابلهما عيناي.. و كأني أسألها.. هل؟

علت وجهها أكبر ابتسامة ثم أومأت برأسها.. نعم نعم! .. وقفنا في نفس اللحظة و تقدمنا خطوة خطوة تجاه بعضنا حتي تقابلنا فوقفت ووقفت.. اقتربت روكسان و دنت من أذني أحس بنفسها الساخن علي خدي."نعم" همست روكسان.. فاقتربت أيضاً من أذنها فقدر لي شم عطر روكسان المغرق في العذوبة و همست:" شكراً علي هذه الرقصة سيدتي".

 نهاية الفصل الثاني

روكسان :الفصل الأول

روكسان..
احتضنتك فقبلني عطرك.. و أحسست بذقنك علي رقبتي و لمست يداي ظهرك فكأني لمست قطعة من الجنة طرية ليست نحيفة ولا بدينة فقط طرية فملأت يدي منك و قبلت عطرك و خدي يلامس خدك و انت تغوصين بين ذراعاي.. تزيد آشعة الشمس من جمال الذهب في شعرك و تزيد من خضرة و سحر عيناك اللتي كانت تثقبا روحي.. ناعمة انت لا أدري كيف لا تجرحين. كيف لا تكسرين.. و إن كسرتِ فكيف بحق الله تجبرين؟ 

 اسمك اسم اميرة أو ملكة و هو كذلك فزوجة داريوس ملك الفرس اللتي صارت زوجة الاسكندر الاكبر كانت روكسان.. لكني لا اظنك تشبهينها. فبالتأكيد هي كانت سمراء بشعر أسود فاحم و عيون كحلاء نجلاء.. جميلة أكيد لكن حبيبتي هي لا تكاد تقترب منك..

    أتذكر يوم التقينا كنت في مكتبة ليون العامة متعرق و نظارتي تنزل عن عيناي و أنا منهك و متأخر في بحثي.. لم تذق عيناي النوم ليومين فآخر ميعاد لتسليم بحثي عن أدب بودلير غداً.. ثم أراكي.. لعلك كنت تجلسين في نفس المكان لساعات و لعلك جئت الآن فقط.. أما إذا كنت قد جئت من فترة فبالتأكيد مسكتِ نفسكِ عن الضحك فأنا أقلب في الكتب كالمجنون و أقوم أبحث في الأرفف و أعود.. فأخبط علي الطاولة برفق و أخبط علي جبهتي و أشتم بالعربية التي تأكدت و أنا داخل إلي المكتبة أن لا أحد هنا له الملامح ليتحدث بها.. بالطبع حكم في غاية السطحية أُخذ في عجلة.. لكن رغم كل هذا لم أبالي. ربما بودلير لا يريدني أن أعرف عن هذا الجزء المعين من حياته!

    ثم تقع عيناي عليها.. يا إلهي وضعت كل هذا القدر من الجمال و الرقة  في امرأة واحدة جالسة علي كرسي واحد من المكتبة و جعلت هذا الكرسي علي نفس طاولتي.. تخفف عني تعب ثماني أشهر كاملة و يومين بلا نوم و بكثير من القهوة و بعض الحبوب المنشطة. رفعت رأسي فجأة فوقعت عدساتي عن أنفي فضحكت برقة و بصوت خفيض واضعة أصابعها اللتي تزينها أظافرها الطويلة الملونة علي شفتيها. للحظة نسيت ما أنا جالس هنا لأجله.. نسيت بودلير الأحمق و نسيت مونسيور بياف و جارته الشمطاء.. تركت عدساتي علي الطاولة و أغلقت كتابي و أخرجت منديلي أمسح جبهتي من العرق.. أفعل كل هذا و أنا لا أرفع ناظري عنكِ.. أظن قلة النوم أفقدني عقلي أو إحساسي منكِ بالحرج فلم أنتهي عن النظر إليك.. أدرس كل بقعة منك كأنك لوحة فنية.. التعب أنساني كل حذري حتي وجدت لساني ينطق ب"من أنت؟".. كنت أريد أن أكمل و بأي حق تكوني بهذا الجمال ألا تعلمين أن بعضنا يحاول الحصول علي الماجستير في الأدب و بودلير إبن بلدك يعذبني لثماني شهور متواصلة أعرف الآن عنه أكتر من زوجته.. فمن أعطاكِ الحق في أن تكوني بهذا الجمال أمام الناس جميعا تلهيهم عن الفلاح في الدنيا.. كل هذا أردت أن أسأله بعد "من أنتِ؟"

" و انت مالك؟" تردين بابتسامة تكاد تنفجر إلي ضحكة مدوية كتمتيها بيدك .. و أنا مالي فعلاًً؟ أفاقني ردها من  السبات الذي كنت فيه. كانت ضحكتك يا روكسان صافية.. صادقة تشترك فيها جبهتك مع خدودك الوردية مع شفتاك اللتان انفرجا عن صف منظم من الاسنان الامعة البيضاء و سنة مكسورة في المنتصف، لم أري في حياتي سنة مكسورة تعطي فتاة هذه الابتسامة الرقيقة المغرقة في الدلال.

      لما أحرجني ردك عدت إلي بحثي و جحيمي أحاول عبثاً أن أنشغل بمئات الأوراق اللتي فرشتها أمامي لكن كل ثانيتين أرفع عيني و كأنها أدمنت النظر إليك. أغصبها أن تنظر في الورق فتعصي أمري و تنهل من عينيك ثم من قميصك الناعم المخملي الذي يزيدك أنوثة فوق أنوثة عندما تنسدل علي كتفيك حرائر ذهب شعرك. لا.. لا يحق لك أنت تكوني بهذا الجمال في هذا الوقت بالذات تباً لك يا حبيبتي تظلمينني و تكرسين عيناي إليك فلا أملك السيطرة عليها.

لملمت أوراقي في غضب واضح و ليس بالترتيب الصحيح حتي ووضعتهم في حقيبتي الجلدية البالية اللتي قد ابتعتها قبل سفري منذ ٣ سنوات من الأزبكية.. لا أدري هل لأني أحب هذه الحقيبة أو لأني لم أملك المال اللازم لرفاهية كتغيير حقيبتي اللتي لازالت تعمل ما هو المفروض عليها عمله.. و هو أن تحمل أوراقي. غادرت بسرعة قاطب الحاجبين و أنفي تنفث من الغضب ناراً و لم أُعد حتي الكرسي لمكانه. دفعت باب المكتبة بعنف فصفعتني برودة الجو في ليون في ذلك الوقت و ذكرتني أن أضع الجاكت الذي كنت أحمله علي يدي.. دعكت أنفي عدة مرات كما علمني أبي أن أفعل عندما أكون في جو ساخن ثم أخرج لجو بارد.. اتجهت لأقرب مقهي.. لا أذكر اسمه و جلست أهدئ من روعي. كيف اندفعت بالسؤال بهذه الطريقة و أنا لا أحتمل ثانية واحدة مشتتاً.


     جلست علي الطاولة الملصقة في الزجاج المطل مباشرة علي الشارع.. ولعت سيجارة و نفثت دخانها ببطء ، ثم انفجرت ضاحكاً علي نفسي كيف جعلت من نفسي أضحوكة. طلبت كابتشينو و جلست أراقب الشارع و أدخن سيجارتي.. هدأت من منظر الشارع لأنها قد بدأت تمطر فقل عدد المارة جداً و بدا الشارع، الخالي معظم الوقت من السيارات، هادئاً جميلاً كأن السماء بعثت بهذا المطر إلي حتي تصلح ما عبثتي به يا سيدتي. اشتد انهمار المطر علي أسفلت الشارع و علا صوته. كان الوقت في آخر لحظات الغروب و بضع دقائق و يبدأ الجزء المفضل لي في اليوم لأني كائن ليلي إلي أبعد الحدود. غسل المطر أرض الشارع و سارع في الإنحدار إلي أقرب بالوعة فلم تتجمع مياه المطر بل اختفت فتركت الشارع بالكاد مبتلا كفتاة للتو خرجت من الحمام بعد أن غسلت شعرها و صارت أجمل.


     أتذكر ذلك اليوم و كأنه كان البارحة فتحمر وجنتاي خجلاً من نفسي.. لا أدري كيف أنجزت هذا البحث عن بودلير في اليومين المتبقيين.. ربما بعد أن حبست نفسي في السكن الجامعي في جامعة ليون و بعد أن استهلكت ما يقارب الاثنين و عشرين كوباً من القهوة.  

     أجلس الآن في الركن القصي من نادي الجاز الشهير في شيكاجو Killer joe.. أرشف كوب الكابتشينو و أدخن سيجارتي و أتابع الفرقة و هي تعزف معزوفة بيني جولسون الشهيرة Yesterdays.  لطالما سمعت هذه الأغنية و أنا أقرأ كتاباً بينما أجلس علي أرجوحة في باحة المنزل الأمامية و بين الحين و الآخر أستمتع بمنظر الأشجار الساكنة في مكانها منذ سنوات عديدة و السكون الذي قد تقاطعه مرور سيارة جاري مستر واتسون أو زوجته إلي أو خارج الجراج المخصص له. 

      أنظر خارج زجاج النادي، إنه شهر يناير، و الثلج ينهمر بقوة في الخارج علي الأسفلت و الأشجار المجاورة فأحس بالبرد رغم دفء المكان الذي أجلس فيه سواء بالتكييف المركزي أو بأغنيتي المفضلة Yesterdays. في ليلة كهذه يا حبيبتي و مكان كهذا كان لقاءنا الثاني...
                                                       نهاية أول فصل...


      
          
             

Monday, December 15, 2014

أوراق السيدة "ل" -الجزء الأول

نظر في ساعته وأمسك ياقة معطفه من شدة البرد و هو ينتظر أمام باب الفندق ينتظرها.. ليلة اكتمل فيها القمر فأحس بجمالها من أولها. الشارع مبتل من الأمطار التي توقفت عن السقوط منذ ساعة فقط في المدينة الإيطالية باليرمو. ينتظرها منذ دقائق فمرت كالساعات و هو يري الرجال في معاطفهم الثقيلة و السيدات في فساتينهم الجميلة و معاطفهم. ينظر للسماء.. و يبتسم. هل يحدث هذا بالفعل؟ هل يحدث ما قد حلما به و تخيلاه بكل تفاصيله ثانية بثانية الليلة؟ هذة الليلة؟ هل ستكون الليلة بنفس جمالها في مخيلتهم. لم يشك لحظة أن الليلة سوف تأتي و يصطحبها لأضخم حفل موسيقي للفنان ياني في باليرمو. هذه السمراء بشعرها الفاحم العابر كتفيها المسدل علي ظهرها و العود المنحوت و الإبتسامة التي تكشف عن صفين من اللؤلؤ الناصع و الأنف الدقيقة كحبات الرمان. مر الوقت طويلاً  و لكن الإبتسامة لم تفارق شفتيه..  لم تفارق عينيه..لم تفارق حتي قلبه. الشارع مضاء ببضعة أعمدة نور تشع باللون البرتقالي الذي يعشقه و طالما كان النور المفضل لمخيلته ليكون الإضاءة المفضلة لكل أحلامه.

لم يدر في الحقيقة إن كان القمر قد هبط إليه من علٍ أم ما كان ينتظره قد حدث بالفعل. وقف ثابتاً في مكانه و يديه في جيوب بنطلونه.. لم يرد أن يظهر لها أنه يهتز من داخله و يرتعش و يشتعل و يلتهب فرحاً و شوقاً لها بعد هذه السنوات من غيابها عليه.. لكنه لم يقدر علي أن يحبس دموعه التي اغرورقت بها عيناه فعلم أنها عرفت ما يعتمل به فلم يشغل باله بإخفاء ما يشعر به بل أخرج يديه من جيبه و احتضنت يده يداها.. نظر في عينيها التي سال منها الدمع فرأي سنين غيابه عليها في هذه اللحظة. مسح دمعه بسرعة ثم مد يديه في جيبه فسحب منديله و برفق شديد مسح دمعها من علي خديها فقط حتي لا يفسد كحل عينيها.
لم يحب أن يتكلم في هذه اللحظة.. هذه اللحظة التي انتظروها منذ سنين لم يحب أن يجعلها محدودة فقط ببضعة حروف تصنع الكلمات فتبني جملاً تعني شيئاً واحداً أو ربما شيئان.. أراد أن يترك هذه اللحظة لعينيهما تتحدث.. فالعين تتكلم أحسن و تشرح أعمق و توصل الرسالة أسرع. لم تفتح فاها لتتكلم هي أيضاً كأنما فهمت تماماً ما كان يريد قوله بدون حاجته لأن يقوله.. لا يدري لعلها كانت خمس دقائق كاملة ظلت تنظر إليه و ينظر إليها تريد أن تشبع منه و هو يريد أن يشبع فيفشلا ثم ينظرا إلي الأرض في وقت واحد.. ما هي الكلمات التي تقال في هذا الوقت؟ الكلمات محدودة جداً و ضعيفة فعلاً حتي تستخدم للتعبير عن موقف كهذا. كما تخيلها تماماً.. ارتدت الفستان الأسود الطويل و علي صدرها عقد فضي لامع و يتعلق من أذنيها قرطان فضةمتدليين كما يحبهما تماماً. شعرها الأسود اللامع صففته فجمعت خصلة من اليمين مع خصلة من اليسار وراء رأسها و فلقت شعرها من المنتصف فكانت شبيهة ملكات الإسبان في الأندلس المفقود.


    تأبطت ذراعه فضم ذراعها إلي جنبه أكثر ليقربها منه.. كم وحشته هذه الفتاة.. لم يقدر علي التفكير بعدما ذاب عقله و ذهب في عطرها.. نفس العطر الذي كانت تضعه منذ سنين و كأنها تذكره.. لم يقدر علي إنزال عينيه من عليها و لم تقدر هي علي عدم الإبتسام.. مشيا في الشارع المبتل فكان يساعدها علي تفادي المياه و قد ارتدت كعب عالي قربها إلي طوله سبع سنتيمترات تقريباً.. هناك لاحت لهما سيارته فاقتربا و ضغط علي زر الفتح في الريموت كنترول ثم أسرع ففتح لها الباب الخلفي أن" اسمحيلي حبيبتي أن أكون سائقك اليلة" ..ابتسمت له و أغلقت الباب ففتحت الباب الأمامي أن " حبيبي مكاني الأصلي بجوارك الليلة".. انتظر حتي دخلت فأشار لها علي طرف فستانها حتي تبعده عن مجري الباب فابتسمت و أبعدته فابتسم لها و أغلق الباب. ركب و هي في الكرسي بجواره و الأبواب و النوافذ مغلقة. لحظة صمت طويلة.. اعتدل في الكرسي ناحية اليمين و نظر إليها.. و هي اعتدلت أيضاً.. لم تقدر علي الإبتسام أكثر من ذلك.. أخذت يده في يدها و ضغطت بإبهامها في منتصف راحة يده..ارتخت أصابعه و زفر بحرارة و نظر لها و ابتسم..

   أقل ما يقال عن حفلة ياني و أوبرا باليرمو أنها كانت خرافية.. تلك و تلك.. جلسا في الطابق الثاني علي يسار المسرح.. و استمعا لياني و فرقته من أفضل عازفي العالم في كل الآلات الموسيقية يعزفوا علي أوتار ليلتهم الخيالية التي لا يعدوها من بقية الأيام لأنها بالتأكيد كمثل أي ليلة. ليلة تآمر الكون كله حتي تحدث في هذه المدينة و هذا اليوم و بهذا الجمال.. تآمر الكون كله حتي لا تتغير حبائل ما بينهم.. و ما كان بينهم.. هذه الخيوط الصغيرة التي نسجتهم و امتدت منها خيوط أصغر فعقدتهم.. قدر لها ألا تنحل و لا تحرقها الفرقة الطويلة.. لطالما أخبرها أنه إذا تخيلوا كل تفاصيل هذه الليلة أن الليلة ستأتي.. الأوبرا الضخمة تبهرهم و الموسيقي تطربهم و هي بقربه فكان ينظر إليها ليبتسم فكانت تلفحه جزيئات عطرها المتعلقة حولها في الهواء.. 

جلسا علي دكة تحت عامود نور يشع بالضوء الأبيض و يترك ما هو أبعد مظلماً.. جلست بجواره يتأملا جمال صفحة النهر المتلألأة بانعكاس الأنوار عليها.. البرد يدغدغ حواسهما و الموسيقي مازالت تطربهما و هما مازالا يبتسما و يراقبا صفحة النهر الرائقة..قام فقامت.. ضيقت عينيها و قطبت جبهتها و ضمت ذراعيها إلي كتفيها من البرد.. فتبسم و خلع معطفه و أعطاه لها فضحكت و أخذته فارتدته.. فضيق عينيه و ضم ذراعيه تظاهراً بالبرد فضحكت ضحكة عالية و هزت رأسها نفياً " هذا لي الليلة حبيبي" ثم فتحت المعطف و هو عليها و اقتربت برأسها و تنفست بعمق و ابتسمت له فضحك.. أخذ ذراعها لكي يضعه تحت ذراعه و تمشيا و لم تنسهما هذه الليلة.. فلم ينسوها..