Monday, March 16, 2015

هارڤي

   هارڤي.. اسم مسرحية مثلت علي المسرح في أمريكا لأول مرة عام ١٩٤٤ تأليف ماري تشايس التي حصلت علي جائزة بيوليتزر في السنة التالية عن نفس المسرحية. قررت مدرسة كاثوليك هاي، مدرستي الأمريكية العزيزة، أن تكون هذه المسرحية هي العمل المسرحي لعام ٢٠٠٨. هارڤي  علي مسرح كاثوليك هاي من أكثر المسرحيات التي استمتعت بها في حياتي، و قربت إلي ذهني مفهوم الفن المسرحي.

       مس رينولدز، أمينة المكتبة في كاثوليك و صديقتي أيضاً منذ علمت أنني أتحدث ثلاث لغات بالإضافة لإجادتي لبعض العبارات التركية، و بسبب أيضاً ترددي علي مكتبتها، كانت هي المسؤولة عن التسجيل لتجارب الآداء. أعجبت بإهتمامي الشديد بالأدب الأمريكي و تحدثت عني لكثير من زملائها. كانت سيدة جميلة في أربعينات العمر بعود كغصن البان ينتمي لفتاة عشرينية. كنت أذهب للمكتبة أيضاً حتي أتصفح الانترنت، فلم يكن في بيت ليندا انترنت، لم يكن هناك إلا كمبيوتر خرب لم أجرب أن أتعامل معه إلا مرة واحدة و كنت مضطر لأكتب بحثي عن أرسطو في فصل مستر سبنسر للحضارة الغربية. 

     علمت ببدء تجارب الآداء و أحببت أن أجرب، و كانت هذه من تجارب الفشل التي أحببتها كثيراً    تجارب الآداء كانت بعد إنتهاء اليوم في المسرح الكبير Auditorium. ذهبت هناك و دخلت المسرح  لأجد مفاجأة. بنات من مدرسة ماونت سانت ماري تجمعن في المسرح فهم مشاركون في المسرحية و في تجارب الآداء أيضاً. مشهد غريب فهذا المسرح لا أري فيه سوي فتيان كاثوليك هاي علي الكراسي و يمر بجانبهم في الممرات المدرسون و مدربون الكرة الأمريكية بحنجراتهم الغليظة ليصرخوا في الطلبة أن يغلقوا أفواههم. عطر البنات الموجودة ملحوظ في المكان. جلست أنتظر دوري. المشهد المستخدم الآن في تجارب الأداء بين سيد و سيدة و بينهم حوار و حركة. عندما أتي دوري حاولت تمثيل السكريبت لكن لم أنتبه لوجود حركة مع الكلام فكانت حركتي مخالفة للمشهد.. كان المفروض أن أجلس عند نقطة معينة و لم أفعل. علمت بعدها أني لن أنجح، خصوصاً عندما رأيت تجارب آداء الآخرين، بعضهم كانوا مذهلين و متقمصين لأدوارهم و حركاتهم كأنهم يعرفون المسرحية من قبل ( ربما، هارفي مسرحية قديمة في التراث المسرحي الأمريكي حسبما علمت بعدها). لم أبالي كثيراً بفشلي و أحببت التجربة. و ترقبت معرفة من فاز بالأدوار في المسرحية. 

     يوم المسرحية، أول سبت في مايو ٢٠٠٨، اصطحبت ليندا معي لنشاهد المسرحية. رأيت الكثير من زملائي يومها و عرفتهم علي ليندا و قدمتها أنها أمي المستضيفة، و لاحظت بعض نظرات الدهشة من المصطلح، لكني كنت أبتسم و أشرح. هي السيدة التي تستضيفني حتي انتهاء بقائي في أمريكا.. ليندا أكبر من ذلك بكثير. 

    ذهلت بروعة الإخراج و التمثيل علي مسرح مدرستي. كنت أحاول التعرف علي شخصيات المسرحية الحقيقية، و كلما كنت أعرف أدهش من روعة تمثيل زملائي في نفس مدرستي. مسرحية كوميدية تخلو تماماً من الابتذال و من الكليشيهات و الإفيهات. كوميديا موقف خالصة و إبداع في الاخراج، بعدها عرفت مصدر هذا الإبداع، مس رينولدز أخرجت هذا العمل.

  تحكي المسرحية قصة  مستر "بي داود"،الشخصية الرئيسية، رجل في غاية اللطف لكن أخته "فيتا"  تشك في قدراته العقلية لأنه يقول أن صديقه المقرب هو أرنب وردي طوله ٦ أقدام و ٤ بوصات و نصف ( حوالي ١٩٥ سم)، و تريد إدخاله مصحة عقلية خوفاً علي نفسها و علي إبنتها "ميرتل ماي" من الفضيحة حيث أن مستر"بي داود" يقدم صديقه الأرنب لكل من يقابله  و أخته "فيتا" تود تسلق سلالم المجتمع الراقي. طوال المسرحية تتهمه أخته و آخرون بالجنون و هو بغاية اللطف يحاول تفنيد هذا الإتهام و يصف لهم هارڤي و يحكي لهم المحادثات التي تدور بينهم. في نهاية الأمر تقتنع "فيتا" بأنها تفضل أن يبقي "بي داود" لطيفاً و طيب القلب علي أن تجعله الأدوية غريباً. قام بدور "بي داود" زميلي في السنة النهائية آنذاك وين ووردلا. وين كان من ألطف الناس الذي رأيتهم في حياتي. وين فاز بانتخابات اتحاد الطلبة باكتساح لشعبيته بيننا. عرفت بعد عودتي بسنتين أنه توفي في حادثة سير. 

     حضرت بعدها مسرحية في مسرح ليتل روك للفنون عن كفاح عمال مناجم الفحم و حياتهم الصعبة المحفوفة بالمخاطر، و الموت في أحيان كثيرة. عبقرية المسرحية كانت في عرض كفاح العمال للحصول علي حقهم في الأمان في المناجم و مزجه بالفن الذي أنتجته هذه الشريحة من الناس في ذلك الوقت، أغلبه موسيقي و أغاني حزينة عن الموت في الكهوف و ظروف العمل و العيش القاسي. 

    يزدهر المسرح في عصور الازدهار الفكري و تقدره الشعوب و الحضارات السامية التي تعلم فاعلية هذا الفن الراقي في التعبير عن ثقافة الشعوب بمختلف طبقاتهم و حرفهم و لهجاتهم. ازدهر المسرح في اليونان القديمة و كان من كبار كتاب المسرح يوربيديس و سوفوكليس و اسكليس. في انجلترا كان شكسبير.. فرنسا موليير و فكتور هوجو.. روسيا ليو تولستوي، حتي أمريكا بها يوجين أونيل و ثورنتون و غيرهم. بالإضافة إلي ذلك هو أداة توثيق رهيبة تعكس للتاريخ صورة عن الزمن الذي تنتج فيه الأعمال المسرحية. أتمني ازدهار المسرح العربي و تقدير الفنون العربية فبالفن الراقي الهادف ترتقي الشعوب و تقترب لأصل الإنسانية، أما إهمال الفن أو نسخ الفنون الغربية و الانسلاخ عن عربيتنا و إسلامنا فهو أشد تدميراً من أي إحتلال.


No comments:

Post a Comment