التبادل الثقافي هو التقاء الحضارات و تفاعلها و تعايشها مع بعضها البعض، ابتكره من فهموا أن الإنسانية كلها واحدة و أن الإنسان في كل مكان تحكمه مبادئ ثابتة في الخير و الشر، و إن فهم أهل الدول و الثقافات المختلفة هذه الحقيقة لما كان هناك حروب ولا إرهاب.
توجد الكثير من البرامج للتبادل الثقافي، منهم ما يستهدف فقط تعلم اللغة و هذا يستغرق من الشهر للشهرين، و منهم ما يعمل علي خدمة المجتمع، و قد يستغرق هذا من شهرين لستة أشهر. التجربتين السابقتين لا يشترطا علي سن معين. أما التجربة الأسمي و الأصعب، ملكة إنجلترا في التبادل الثقافي، هي تجربة السنة الكاملة. سنة كاملة يغادر فيها طالب في المرحلة الثانوية وطنه و يذهب في رحلة سحرية لوطن جديد لينغمس في ثقافة جديدة و تبدأ المغامرة الأصعب و الأثري ربما في حياته كلها.
طالب التبادل الثقافي ليس هو الأنجح في الدراسة، و لا هو صاحب مستوي الذكاء الأعلي، ولا هو الأكثر اجتماعية. هو الطالب الذي لديه استعداد للتغيير. مستعد أن يراجع أفكاره و آراءه و قادرعلي بنائهم من جديد علي مستوي إنساني أوسع من نطاق البلد و الدين و الأهل. لديه قابلية للتأقلم علي الظروف المختلفة و قابلية عالية علي التعامل مع التغيير بشتي أنواعه. أفقه قابل للإتساع. هو شخص راسخ في ثقافته وواعي لذا فحينما يأتي الوقتالذي يراجع فيه أفكاره لا يهتز و لا يفتن بل يراجع بعقلانية حتي لا يفقد هويته، بل يزيد علي هويته ما يراه مسموح به من ثقافات أخري. فيصير بجدارة مواطن عالمي.
هذا الطالب يمكث مع العائلة المستضيفة المكونة من أب و أم مستضيفين و أحياناً أخوة ذكور أو إناث حسب تفضيل الطالب و العائلة. هذا المكون، أن يبقي الطالب مع عائلة في بيتهم يختلط بهم في كل الأوقات و في شتي الظروف، هو مكون أساسي للتجربة. كان من الممكن أن يمكث الطالب في سكن عادي أو جامعي.. لكن هذا المكون يقع في صميم هذه التجربة.فيعايشهم في أكلهم و سكنهم و نومهم، في أعيادهم و فرحهم و حزنهم، يحتك بهم و ربما تحتد بينهم الأمور، فيتعلم منهم و يتعلموا منه. هم أيضاً، سيحاولون التعايش مع ضيفهم الجديد قدر استطاعتهم و أحياناً سيشتركون في أعياده و أحزانه و سيناقشون أفكاره لمعرفته أكثر. يذهب طالب التبادل للمدرسة التي سيدرس فيها لسنة كاملة. يعتبر هذا الطالب سفيراً لبلده و دينه و ثقافته لزملائه الذين في بعض الأحيان لم يروا من بلده أو من دينه شخصاً غيره. يعمل الطالب علي تعريف زملائه بثقافته و بلده بالتعامل معهم أو بعمل خطب لهم عن بلده أو عن طريق تقديم عمل فني مترجم .هناك الكثير من الطرق التي ابتكرها طلبة التبادل الثقافي علي مر السنين لتعريف المستضيفين علي خلفيتهم الثقافية. يشترك طالب التبادل أيضاً في العمل التطوعي في خدمة المجتمع المستضيف و الذي يعطي طالب التبادل فرصة للعطاء الكبير و فرصة الإختلاط مع شرائح مختلفة من المجتمع المستضيف غير الطلبة الذين هم في سنه و ربما يشتركوا معه في كثير من القيم و المفاهيم، لذلك كان من المهم الاختلاط بالشرائح الأخري حتي يتلمس الثقافة من كل الأوجه. يتيح ذلك الفرصة للطالب لكي يلمس ثقافة العمل و احترام الوقت و العطاء في مجتمعه المستضيف، و قد يتكشف له بعض الأمور السلبية أيضاً وهذا أجمل ما في هذه التجربة.
في خلال سنة يصبح هذا الطالب ما يقال عليه: مواطن عالمي. و هذا بسبب الخبرات المذهلة التي يكتسبها هذا الطالب. في البداية، يتابع طالب التبادل الثقافة من حوله و يدركها ادراك ظاهري.. فهو يعلم كيف تسلم المرأة علي الرجل، زوجها أو صديقها أو أو أخوها، و يعلم كيف تقام الأفراح و يعلم كيف يتكلم مع من هم أكبر سناً. بدأ يفهم الفكاهات و القفشات و تعلم كيف يقولها حتي. كل هذا رائع. ما يتعلمه طالب التبادل بعد فترة أطول في بلده المستضيف، هو أن يغوص في خيوط الثقافة الدقيقة التي لا يدركها إلا أصحاب الثقافة نفسهم أو من مكثوا في البلد مدة طويلة.. و هذا ما يميز طلبة التبادل الثقافي عن من أتوا للسياحة أو من أتوا للعمل في البلد الغريب. أقصد بالغوص في الخطوط الدقيقة للثقافة هو أن يدرك الطالب قيمة الوقت لدي الفرد في ذلك المجتمع، و هو مفهوم أوسع بكثير من مجرد التزام الشعب بالوقت من عدمه أو رد فعل الفرد علي تأخير في الميعاد. يفهم الطالب ما هو أبعد من سبب وضع المرأة قدم علي قدم أثناء جلوسها، أو انتقابها تماماً أو سبب مناداة الإبن للأب باسمه الأول، بالترتيب. يفهم الطالب مفهوم الإحتشام للمرأة في هذه الثقافة، و يفهم نظرة الصغير للكبير و مفهوم الإحترام و مدلوله في ثقافة الناس.
ما هو أكثر من ذلك، هو تخلص طالب التبادل للأبد من انحيازه لما ينتمي إليه Ethnocentrism. يفهم الطالب أن العالم أكبر من مدينته، من بلده.. و هناك من الأديان الأخري غير دينه الكثير، و بعضهم شيق و معقد و له أصول و أسس تستحق الإحترام. يدرك الطالب مكانه في العالم. و مع اختلاطه بطلبة تبادل آخرين يختلط أيضاً بثقافات كثيرة و يتابع تفاعلاتها مع ثقافة البلد المستضيفة.. آلاف الأفكار تدور في ذهنه و هو يحاول أن يصنف و أن يفاضل.. و تنتهي كل هذه التفاعلات في ذهن الطالب إلي نتيجة واحدة.. خلق الله البشر مختلفين. يمكنك اختيار طريق من الطرق لأنك تراه الأحسن لكن عليك أيضاً احترام اختيارات الناس الأخري، و احترام و مراعاة خلفياتهم الثقافية. العالم كبير و الإختلاف ثراء و ليس سبب للضيق والخلاف.
تقف في طريق طالب التبادل الثقافي الكثير من التحديات، التي يتعلم منها خبرات و مهارات تفوق أقرانه في بلده بكثير. طالب التبادل يسافر لبلد لا يعرف فيها إنسان واحد و لا يدري إلا أقل القليل عن ثقافتها. يترك خلفه بلده و ثقافته و كل ما كان يعرفه و يعتاده و يفعله دون تفكير. يترك خلفه شوارع مدينته أو قريته، يترك أهله و طعام والدته و رائحة منزله و الضحك مع أصدقائه. كان كل شيء من قبل في غاية السهولة و الآن فهو صعب جداً. تخيل أنك تفكر في كيفية دخول و خروج كل نفس من بين جنباتك. هي أشياء تعودنا أن نفعلها دون تفكير و الآن و بعد ١٦ عام أو أكثر يكون علي طالب التبادل أن يفكر في كل شيء: يفكر في السلام و النظرة و دخول الحمام و أسلوب التعامل مع الشباب في نفس السن و التعامل مع الجنس الآخر و مع الأكبر سنا، و مع الأطفال. طريقة الجلوس علي طاولة الطعام، طريقة الأكل نفسها و مواعيد الأكل ، و بالطبع يجب مراقبة الشخص لما يأكل و ما لا يأكل و ما لا يشرب حتي لا يقع في المحظور بدون قصد منه. طريقة الإعتذار و الإلتزام يالمواعيد.. طريقة الجلوس ، العزاء و الحزن علي الميت، و الفرح للزواج. القائمة لا تنتهي فالتحديات التي تواجه طالب التبادل الثقافي هي باتساع الثقافة الانسانية و تباينها..
إتساع رهيب بأفق الطالب تتسبب فيه هذه التجربة.. لأنه يري مفاهيم عامة كثيرة من أكثر من وجهة نظر، لذا تتكون لديه فكرة واسعة جداً عن هذه المفاهيم.. واسعة باتساع العالم. مفاهيم مثل الحق و العدل و الجمال و التدين و الديمقراطية و السلام و الحرب و الفن، و غيرها. يستطيع الطالب أن يتعامل مع هذه المفاهيم بمرونة و سهولة بين الثقافات المختلفة، و هو ما يميزه بين أقرانه في بلده الأم، لأنه إذا استطاع التعامل مع الإختلاف بين ثقافات العالم، فهل تظنه يجد أدني مشكلة في التعامل مع الإختلافات الفردية البسيطة بين أبناء وطنه و ثقافته؟
يحلق طالب التبادل الثقافي خارج منطقة راحته. منطقة الراحة هي ما يولد فيه الإنسان و يعيش فيه و ينمو فيه. المدرسة و الشارع و النادي و الأهل و طبيخ الأم و العيش مع الأخوة و اللغة الأم و اللهجة و غيرهم. المعروف أنه كلما عاش الإنسان خارج منطقة راحته تعلم أكثر و اتسعت آفاقه. طالب التبادل الثقافي يعيش سنة كاملة خارج منطقة راحته.
علي طالب التبادل أن يكون كالاسفنجة.. يمتص كل ما حوله و يتعلمه و في نفس الوقت يستطيع التأقلم علي الظروف المحيطة فهو مرن يستطيع تغيير شكله و طريقة تعامله مع الآخر. عليه أن يكون دبلوماسياً من الدرجة الأولي. عليه أن يتحلي بالحساسية الثقافية التي تجعله يحس بالإختلافات الثقافية بشكل غير مباشر و يفهمها بسرعة.
في عالم يموج بالحروب و الدم كعالمنا، التبادل الثقافي ربما يكون آخر آمالنا.
ولكن من يدرك ذلك؟
ReplyDeleteان غرس مبادئ التعلم الثقافى تحول الشخص الى مواطن عالمى غير متحيز على الاطلاق ولا يبغى غير المساواه ومصلحه العالم ككل
ReplyDelete