نظر في ساعته وأمسك ياقة معطفه من شدة البرد و هو ينتظر أمام باب الفندق ينتظرها.. ليلة اكتمل فيها القمر فأحس بجمالها من أولها. الشارع مبتل من الأمطار التي توقفت عن السقوط منذ ساعة فقط في المدينة الإيطالية باليرمو. ينتظرها منذ دقائق فمرت كالساعات و هو يري الرجال في معاطفهم الثقيلة و السيدات في فساتينهم الجميلة و معاطفهم. ينظر للسماء.. و يبتسم. هل يحدث هذا بالفعل؟ هل يحدث ما قد حلما به و تخيلاه بكل تفاصيله ثانية بثانية الليلة؟ هذة الليلة؟ هل ستكون الليلة بنفس جمالها في مخيلتهم. لم يشك لحظة أن الليلة سوف تأتي و يصطحبها لأضخم حفل موسيقي للفنان ياني في باليرمو. هذه السمراء بشعرها الفاحم العابر كتفيها المسدل علي ظهرها و العود المنحوت و الإبتسامة التي تكشف عن صفين من اللؤلؤ الناصع و الأنف الدقيقة كحبات الرمان. مر الوقت طويلاً و لكن الإبتسامة لم تفارق شفتيه.. لم تفارق عينيه..لم تفارق حتي قلبه. الشارع مضاء ببضعة أعمدة نور تشع باللون البرتقالي الذي يعشقه و طالما كان النور المفضل لمخيلته ليكون الإضاءة المفضلة لكل أحلامه.
لم يدر في الحقيقة إن كان القمر قد هبط إليه من علٍ أم ما كان ينتظره قد حدث بالفعل. وقف ثابتاً في مكانه و يديه في جيوب بنطلونه.. لم يرد أن يظهر لها أنه يهتز من داخله و يرتعش و يشتعل و يلتهب فرحاً و شوقاً لها بعد هذه السنوات من غيابها عليه.. لكنه لم يقدر علي أن يحبس دموعه التي اغرورقت بها عيناه فعلم أنها عرفت ما يعتمل به فلم يشغل باله بإخفاء ما يشعر به بل أخرج يديه من جيبه و احتضنت يده يداها.. نظر في عينيها التي سال منها الدمع فرأي سنين غيابه عليها في هذه اللحظة. مسح دمعه بسرعة ثم مد يديه في جيبه فسحب منديله و برفق شديد مسح دمعها من علي خديها فقط حتي لا يفسد كحل عينيها.
لم يحب أن يتكلم في هذه اللحظة.. هذه اللحظة التي انتظروها منذ سنين لم يحب أن يجعلها محدودة فقط ببضعة حروف تصنع الكلمات فتبني جملاً تعني شيئاً واحداً أو ربما شيئان.. أراد أن يترك هذه اللحظة لعينيهما تتحدث.. فالعين تتكلم أحسن و تشرح أعمق و توصل الرسالة أسرع. لم تفتح فاها لتتكلم هي أيضاً كأنما فهمت تماماً ما كان يريد قوله بدون حاجته لأن يقوله.. لا يدري لعلها كانت خمس دقائق كاملة ظلت تنظر إليه و ينظر إليها تريد أن تشبع منه و هو يريد أن يشبع فيفشلا ثم ينظرا إلي الأرض في وقت واحد.. ما هي الكلمات التي تقال في هذا الوقت؟ الكلمات محدودة جداً و ضعيفة فعلاً حتي تستخدم للتعبير عن موقف كهذا. كما تخيلها تماماً.. ارتدت الفستان الأسود الطويل و علي صدرها عقد فضي لامع و يتعلق من أذنيها قرطان فضةمتدليين كما يحبهما تماماً. شعرها الأسود اللامع صففته فجمعت خصلة من اليمين مع خصلة من اليسار وراء رأسها و فلقت شعرها من المنتصف فكانت شبيهة ملكات الإسبان في الأندلس المفقود.
تأبطت ذراعه فضم ذراعها إلي جنبه أكثر ليقربها منه.. كم وحشته هذه الفتاة.. لم يقدر علي التفكير بعدما ذاب عقله و ذهب في عطرها.. نفس العطر الذي كانت تضعه منذ سنين و كأنها تذكره.. لم يقدر علي إنزال عينيه من عليها و لم تقدر هي علي عدم الإبتسام.. مشيا في الشارع المبتل فكان يساعدها علي تفادي المياه و قد ارتدت كعب عالي قربها إلي طوله سبع سنتيمترات تقريباً.. هناك لاحت لهما سيارته فاقتربا و ضغط علي زر الفتح في الريموت كنترول ثم أسرع ففتح لها الباب الخلفي أن" اسمحيلي حبيبتي أن أكون سائقك اليلة" ..ابتسمت له و أغلقت الباب ففتحت الباب الأمامي أن " حبيبي مكاني الأصلي بجوارك الليلة".. انتظر حتي دخلت فأشار لها علي طرف فستانها حتي تبعده عن مجري الباب فابتسمت و أبعدته فابتسم لها و أغلق الباب. ركب و هي في الكرسي بجواره و الأبواب و النوافذ مغلقة. لحظة صمت طويلة.. اعتدل في الكرسي ناحية اليمين و نظر إليها.. و هي اعتدلت أيضاً.. لم تقدر علي الإبتسام أكثر من ذلك.. أخذت يده في يدها و ضغطت بإبهامها في منتصف راحة يده..ارتخت أصابعه و زفر بحرارة و نظر لها و ابتسم..
أقل ما يقال عن حفلة ياني و أوبرا باليرمو أنها كانت خرافية.. تلك و تلك.. جلسا في الطابق الثاني علي يسار المسرح.. و استمعا لياني و فرقته من أفضل عازفي العالم في كل الآلات الموسيقية يعزفوا علي أوتار ليلتهم الخيالية التي لا يعدوها من بقية الأيام لأنها بالتأكيد كمثل أي ليلة. ليلة تآمر الكون كله حتي تحدث في هذه المدينة و هذا اليوم و بهذا الجمال.. تآمر الكون كله حتي لا تتغير حبائل ما بينهم.. و ما كان بينهم.. هذه الخيوط الصغيرة التي نسجتهم و امتدت منها خيوط أصغر فعقدتهم.. قدر لها ألا تنحل و لا تحرقها الفرقة الطويلة.. لطالما أخبرها أنه إذا تخيلوا كل تفاصيل هذه الليلة أن الليلة ستأتي.. الأوبرا الضخمة تبهرهم و الموسيقي تطربهم و هي بقربه فكان ينظر إليها ليبتسم فكانت تلفحه جزيئات عطرها المتعلقة حولها في الهواء..
جلسا علي دكة تحت عامود نور يشع بالضوء الأبيض و يترك ما هو أبعد مظلماً.. جلست بجواره يتأملا جمال صفحة النهر المتلألأة بانعكاس الأنوار عليها.. البرد يدغدغ حواسهما و الموسيقي مازالت تطربهما و هما مازالا يبتسما و يراقبا صفحة النهر الرائقة..قام فقامت.. ضيقت عينيها و قطبت جبهتها و ضمت ذراعيها إلي كتفيها من البرد.. فتبسم و خلع معطفه و أعطاه لها فضحكت و أخذته فارتدته.. فضيق عينيه و ضم ذراعيه تظاهراً بالبرد فضحكت ضحكة عالية و هزت رأسها نفياً " هذا لي الليلة حبيبي" ثم فتحت المعطف و هو عليها و اقتربت برأسها و تنفست بعمق و ابتسمت له فضحك.. أخذ ذراعها لكي يضعه تحت ذراعه و تمشيا و لم تنسهما هذه الليلة.. فلم ينسوها..
Splendid progress. A nice portrait that one loves to live in for a whole 10 minutes. Thanks for letting me read this.
ReplyDeleteI appreciate your critique ya doctor. Much appreciated.
ReplyDeleteيعجبني كثيرا في هذا المشهد الرومانسي الحالم التواجد الثري للحواس - الأرض المبتله والجو المشبع بالبرودة وضوء القمر ورائحة العطر تعانق اليدين وتقارب الخطوات لهفة اللقاء ... عجز الكلام واضطراب الدمع في المقل ... مشهد تتسارع مع رقته نبضات القلب ثم تتغير لتنسجم مع معزوفة ياني وفرقته
ReplyDeleteغير ان اقتحام المفردات الحديثة كالريموت والسياقة الكراسي نقلني من عالم الرومانسية والخيال الي واقع مضطرب
كما أنني كنت اتمني ان اقرأ أكثر عن أشواق السيدة "ل" وهي في طريقها لهذا اللقاء
Enjoyable as usual, Maamoun. Keep up the good work and thanks for sharing :)
I love that you enjoyed it ya miss esther thank you for the wonderful critique
Delete