روكسان الفصل الثاني..
جلست في حانة " برنارد" في شرقي مدينة ليون و هي حانة مشهورة بحضور فرق الجاز للعزف في الحانة من الساعة الثامنة و حتي منتصف الليل كل يوم جمعة و سبت. معظم رواد الحانة هم من عشاق الجاز بكل أنواعه الهادئ و السريع و الناعم و البوسا نوفا. أردت أن أفرغ كل ما كان بي من ضغط عصبي و نفسي بعد أن سلمت بحثي عن بودلير و بعد الحادثة مع هذه الفتاة التي لا أعرف حتي إسمها حتي الآن. ريما لم تكن هي أجمل فتاة قد رأيتها لكنها ليست عادية. كأني رأيتها في حياة سابقة.. كأن عيناي لما رأيتها بعثت للمخ إشارة أن استخرج صورة من سحيق خلاياه عن هذه الفتاة و قد فعل.
بالطبع لم يكن الخمر بالنسبة لي متاحاً، لا أحبه زائد أنه محرم.. علي الرغم من أني أدخن الحشيش كل حين و آخر و لا أحس بالذنب بعدها كثيراً.. و كلٌ يذهب العقل.. خلاصة القول.. لا أشرب. فقط أجلس في ركن قصيٍ من الحانة علي الطاولة الملاصقة للزجاج المطل علي شارع به أشجار باسقات و أعمدة إضاءة باللون الأصفر تتسم بالخفوت الناعم. أجلس في هذا المكان أشرب قهوتي أو الكابتشينو و أدخن سجائري بشراهة لا أعهدها إلا حين أكون في وسط العمل الدؤوب علي بحث أو بعد تسليمه، و بالطبع في الإمتحانات. و أتفرج علي الفرقة و هي تعزف الجاز فأرتعش رغم الجاكت الثقيل جداً الذي أرتديه فأنا أرتعش من شدة رقة و جمال هذا الفن الذي يغزله هؤلاء الفنانون. يفرش عازف الكونترباس المساحة الصوتية كملاءة لزملائه يضعون عليها أصوات آلاتهم يأكلها المستمعون المتفرجون أمثالي.. الدرامز و الساكسوفون علي علاقة وثيقة و ساحرة ببعضهم البعض فهم كرجال من النبلاء في عصر سحيق يتمتعون بمنتهي الفروسية. كل يعرف قدره.. و يلتزم به و لا يبغي علي دور الآخر في المعزوفة حتي تكون بهذه الروعة.
كعادتي.. أجلس علي أقرب طاولة للزجاج أو النافذة المطلة علي الخارج.. ربما لأني أريد كل مشهد من زجاج أو نافذة أن يكون جميلاً فقليلاً فعلاً أصادف مشهد لا يجذبني للنظر إليه .. لعلها كانت مرة أو مرتين. أحتسي قهوتي المركزة و أنا أذوب تماماً في المعزوفة التي تلعبها الفرقة الآن و هي واحدة من أجمل كلاسيكيات هذا النوع.. رائعة جون كولترين" My Favorite Things". كلما أسمعها تذكرني برائعة نجيب محفوظ "أولاد حارتنا". لعلني سمعت هذه الأغنية بينما أقرأ صفحات الرواية العظيمة التي تبلغ أكثر من خمسمائئة صفحة. بعد بلوغي الخامسة و العشرين من العمر، و بعدما تغربت عن بلدي ثلاث سنوات إلي الآن، أدرك أن الموسيقي هي بكل تأكيد أقوي محفز لذاكرتي.
روكسان تفتح باب الحانة ببطء و تبتسم كعادتها لأول وجه قابلها للشخص الخارج من الحانة لحظتها.. و تدخل فتمشي في جلال ملكة و جذل طفلة صغيرة هي و صديقتها ذات الشعر الأسود الفاحم و المعطف البني و هي نفسها ترتدي بلوفر تركواز برقبة عالية تحت معطف كاكي طويل و حلقين مدورين كبيرين في أذنيها كشفت هي عنهما و عن رقبتها المرمرية و هي تدفع بأصابعها ناحية من شعرها إلي الوراء و هي متجهة ناحية طاولة في الركن المقابل لي من الحانة فكنت أنا علي يسار المسرح و هي علي يمينه و قد اختارت هي و زميلتها الطاولة بجانب النافذه أيضاً.. السبب الوحيد الذي يجعل روكسان تدخل الحانة هذه بالذات في هذا الوقت هي أنها محبة للجاز مثلي و أرادت أن تستمتع بالعرض الحي للفرقة في ليلة سبت رائعة كهذه رغم الثلوج المنهمرة بالخارج..
سيجارتي في يدي تبعث بالدخان في وجهي و عيني لكني لا أبالي أنظر ناحيتها أتابعها و لا أصدق نفسي كيف حدث هذا.. لم تكن الإحتمالات ضئيلة فهذه الحانة هي الوحيدة القريبة من الحرم الجامعي لجامعة ليون التي تعزف بها فرق الجاز ليلتي الجمعة و السبت.. المصادفة الحقيقية هنا أنها جاءت مثلي لكي تحضر عرض الجاز الحي رغم الثلوج و برودة الجو.. إذن هي تعشق الجاز مثلي. جلست فوضعت حقيبتها علي الطاولة و تزحزحت لتكون بالقرب من النافذة .. ربما لتنظر خارجها مثلي علي الشوارع المغطاة بالثلوج المضاءة بالضوء البرتقالي الجميل.
هي لم ترني بعد.. لم تكن المسافة بيننا كبيرة لعلها أربع أو خمس أمتار.. و أحمد الله فقد وهبني نظر من حديد يؤهلني للتقدم لكلية الطيران إن أردت.. لم ترني بعد.. لا تغادرها ناظري إلا فقط لكي أرمش.. لم ترني بعد.. بدأت الحديث مع صديقتها علي يسارها فتبتسم و تضحك و تمسك خصلات شعرها الذهبي و تلعب به أمام فمها ثم تضعه خلف أذنها.. رأتني!! بسرعة انشغلت بسيجارتي و نظرت ليساري خارج النافذة لكني في الحقيقة كنت أبحث عنها في الانعكاس علي النافذة.. حسناً سأظل أنظرخارج النافذة و أسمع الفرقة لبضع دقائق حتي تنسي وجودي أصلاً.. سحبت آخر نفس من السيجارة ثم التفت و نظرت ناحيتها.. تنظر لي في عيني مباشرة بابتسامة ذات معني.. نعم هي تتذكرني.. تبتسم ثم تنظر لتحت في خجل.. لازلت أنظر إليها أنتظر أن ترفع رأسها مجدداً.. ترفع رأسها و تنظر لي و كأنها قد اتخذت القرار فيم تريد أن تبعثه لي بنظراتها.
تتبسم لي.. تغلق عينيها للحظة و تخفض رأسها قليلاً ثم ترفعها واضعة كفيها معاً في حركة تشبه الإعتذار.. ثم ثبتت نظرها بإتسامة. إبتسمت لها و خفضت رأسي قبولاً لإعتذارها الرقيق. و كأنما أعجبتنا اللعبة الطفولية في النظرات و التسبيل فلم أطلب منها أن تأتي لتجلس معي و لا هي جاءت. كأننا نجرب أن نبعث بما يعتمل بنا فقط بالنظرة و الإشارات.
أحببنا لعبتنا الصبيانية بشدة فتجاهلت صديقتها تماماً و التفتت بجسدها كله ناحيتي و أنا تركت سجائري و شرابي و التفت لها. استمتعنا فقط بالنظر لبعضنا البعض و الإبتسام.. لم نعلم ماذا تريد أن تقوله ألسنتنا فنقوله بأعيننا لكن لم يوقف هذا عينانا عن الحديث الصامت. بدأت الفرقة في عزف" Embraceable you" لتشارلي باركر .. لكل من يعشق الجاز مثلي.. ترسم بداية هذه المعزوفة بالصوت فقط، صورة رجل يلاطف امرأة بكل رقة من بعيد ثم ينزل علي ركبة واحدة و يحتضن يدها و يطلب منها أن تراقصه فتنزل من عليائها أمام بساطته و تقف فيقف فيضمها فيراقصها .. و بالقرب من نهاية المعزوفة يصفق الجمهور الحي للعازفين في الأغنية الأصلية و كأنهم يصفقون لجمال الرقصة فيبتعد هو بخطوتين عنها و يبسط يده ناحيتها و كأنه يقول أن جمال الرقصة في الحقيقة هو جمالها هي.
أفيق من خيالاتي بعد انتهاء الأغنية و تصفيق جميع من كان بحانة برنارد إلا أنا و روكسان .. فوجدتها مغمضة العينين ترتسم علي شفتيها ابتسامة من رأت ما رأيته للتو.. تفتح عينيها فتقابلهما عيناي.. و كأني أسألها.. هل؟
علت وجهها أكبر ابتسامة ثم أومأت برأسها.. نعم نعم! .. وقفنا في نفس اللحظة و تقدمنا خطوة خطوة تجاه بعضنا حتي تقابلنا فوقفت ووقفت.. اقتربت روكسان و دنت من أذني أحس بنفسها الساخن علي خدي."نعم" همست روكسان.. فاقتربت أيضاً من أذنها فقدر لي شم عطر روكسان المغرق في العذوبة و همست:" شكراً علي هذه الرقصة سيدتي".
نهاية الفصل الثاني
طب الموضوع شكله رومانسي بحت .. ايه علاقة العنوان؟ مين السبب في الحب يعني: القلب ولا العقل؟ ولا دي مفاجأه هايتحل اللغز في الفصل الأخير؟ عموما أنا مبسوطه أوي من عمق الثقافة اللي معجون بيه الفصل .. يعني والواحد بيغوص في أعماق الراجل ومشاعره يتعلم عن فنانين ويدخل في موسيقي ومباني تاريخية ومواقع ثقافية وعادات وتقاليد .. شغل عالي يامأمون ياعزيزي .. مستنيه الفصل اللي بعده .. يلا بأه
ReplyDelete